معنى الهداية التكوينية
عرفنا ممّا تقدّم أنّ الهداية تنقسم إلى تشريعية ( بمعنى إراءة الطريق ) وتكوينية ( بمعنى الإيصال إلى المطلوب ) وهو تقسيم جاء في كلمات المحقّقين من علمائنا « 1 » ، ولكن هنالك قسم آخر يُبرزه لنا القرآن الكريم أيضاً وهو الهداية الفطرية ، قال تعالى : فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 2 » فكلّ إنسان يُولد على الفطرة وهو مزوّد بالهداية الفطرية ، بل إنّها موجودة في سائر الموجودات الأخرى ، قال تعالى : الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى « 3 » . فما من شيء إلّا وهو مُتوفّر على هذا النوع من الهداية التي من خصائصها كونها غير قابلة للتبدّل والتغيير ، فهي سُنّة إلهية ثابتة ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا « 4 » .
إنّ لهذا النوع من الهداية دوراً أساسيّاً في حياة الإنسان يتمثّل بتحفيزه نحو تحصيل الكمال وإيجاد المحرّكية فيه نحو ذلك ولكن دون أن تحدّد له المصداق أو الطريق على ذلك ، فتشكّل بذلك المقدّمة الأساسيّة والأرضيّة الخصبة للبحث عن المصداق الحقيقي .
ومن هنا اقتضت الحكمة الإلهية وجود نوع آخر من الهداية وهو الهداية التشريعية المتمثّلة بالشرائع السماويّة التي ترسم لنا ما ينبغي
هامش
( 1 ) وهذان القسمان - لا التقسيم - مؤيّدان قُرآنياً وروائياً كما سيأتي .
( 2 ) الروم : 30 .
( 3 ) طه : 50 .
( 4 ) الأحزاب : 62 .