ومن الواضح أنّ الموضوعيّة في المقام لا يُراد بها الموضوعيّة الواقعة في قِبال التحيّز والتعصّب والتطرّف ، فإنّ التفسير التجزيئي هو الآخر ينبغي توفّر هذه الموضوعيّة فيه ، وإلّا خرجت العمليّة التفسيريّة من دائرة المنهجة إلى دائرة الاتّجاهات ، كما هو واضح .
إذن ، فما هو المراد من الموضوعيّة في المقام ؟
إنّ الموضوعيّة المُرادة في المقام تتقوّم بأمرين ، هما :
1 . أن يُفرز المفسّر الموضوعي مجموعة آيات قرآنيّة تشترك في موضوع واحد ، وإن جاءت بألفاظ مختلفة ؛ فيقوم المفسّر الموضوعي بعمليّة صياغة جديدة مفادها التوحيد بين مداليل هذه الآيات المتوحّدة موضوعاً ، المختلفة عادةً في طريقة العرض ، لينتهي بعد هذه العمليّة الإفرازيّة التوحيديّة إلى ثمرة البحث التفسيري الموضوعي ، وهي : تحديد الموقف القرآني تجاه ذلك الموضوع .
2 . أن تسبق العمليّة التفسيريّة الموضوعيّة تحديد الموضوع الذي تبرزه عادةً التجربة الإنسانيّة ، ليقوم بعد ذلك بعرض هذا الموضوع على النصوص القرآنيّة ومعطياتها وصولًا منه إلى استجلاء الموقف النهائي للقرآن تجاه ذلك الموضوع .
وينبغي أن يُعلم أنّ التفسير الموضوعي عندما يقوم بعمليّة توحيد المداليل اللفظيّة ، يحتاج في ذلك إلى فهم نفس المداليل الأوّليّة بنحو تجزيئي ، ثمّ ينتقل بعدها إلى عمليّة الربط وإيجاد العلاقات الصحيحة بين تلك المداليل الجزئيّة .
فالعمليّة التفسيريّة بأسلوبها الموضوعي - أيّاً كان المنهج المتّبع فيها - لا تنفكّ أبداً عن الأسلوب التجزيئي ، ممّا يعني أنّ جميع الشرائط المطلوبة في
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن — صفحة 118
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١١٨