فان أجاب : بعدم تبدل الحقيقة في الأول وتبدلها في الثاني .
قلت : فلم تستصحب نجاسة اللبن للجبن ، والحصرم للعنب ؟ .
والتحقيق : أن تعليق الشارع الحكم على هذه الأسماء في نص أو دليل اخر
يدل على اختصاص الحكم الثابت منه بالمسمى بهذا الاسم ، بمعنى : أنه المحكوم
عليه بهذا الدليل فقط ، لا بمعنى دلالته على انتفائه من غير المسمى ، فلا يعارض
ما يدل على ثبوته بعد انتفاء التسمية أيضا .
ولكن الاستصحاب لا يدل على ثبوته بعد انتفائها مطلقا ، يعني لا يجري
الاستصحاب ، لان تعليق الشارع الحكم على اسم يجعله مقيدا به ، فيتغير
الموضوع بعد انتفاء الاسم ، ولذا لا تستصحب نجاسة الكلب والعذرة بعد
صيرورتهما ملحا وترابا .
وأما استصحاب نجاسة الحنطة والقطن والحصرم ، فلانه لم يعلق الشارع
الحكم على اسم الحنطة والقطن أصلا ، وليس هنا حكم معلق على ذلك ، بل
يثبت أمر عام ، أحد أفراده ذلك ، وليس موضوع النجاسة الثابتة من الشرع الحنطة
من حيث هي حنطة ، ولذا لو قال : لا تدخل البيت ما دام فيه حنطة ، يجوز دخوله
إذا تبدلت بالخبز ، ولذا لو نذر أحد أن يصوم ما دام في بيته القطن ، لا يستصحب
وجوبه بعد صيرورته غزلا ، وهكذا .
والحاصل : أن في مثال الحنطة وأمثالها لم يعلق حكم شرعي على اسم
الحنطة ، وهو السر في صحة الاستصحاب ، لا عدم تبدل الحقيقة ، ولا عدم
اشتراط الاستصحاب ببقاء الاسم .
ومما ذكرنا يظهر سر ما ذكره جماعة - وهو الحق الموافق للتحقيق - من التفرقة
بين الأعيان النجسة وبين المتنجسة في صحة استصحاب النجاسة بعد الاستحالة
في الثانية وعدمها في الأولى 1 .
هامش
( 1 ) منهم الميرزا القمي في قوانين الأصول 2 : 74 ، وصاحب الفصول الغروية فيها 2 : 381 .