بعض ، كالبيع والنكاح والإجارة والرهن وأمثالها .
وتقدم طلب الوفاء بتلك العقود يورث الظن بإرادتها من قوله : ( أوفوا
بالعقود ) خاصة ، أو يصلح قرينة لإرادتها ، فلا يمكن التمسك بأصالة الحقيقة في
إرادة جميع الأفراد من الجمع المحلى . مضافا إلى أن قوله تعالى : ( وأحلت لكم
بهيمة الأنعام ) ( 1 ) إلى آخره ، تفصيل لبعض العقود أيضا كما مر في كلام بعض
المفسرين ( 2 ) وهذا أيضا مما يضعف الحمل على العموم .
وثانيهما : أنه إذا ورد أمر بطلب شئ لم يرد طلبه أولا ، يكون هذا الأمر
الوارد للتأسيس وإذا أمر به أولا ، ثم ثانيا ، يكون الثاني للتأكيد . ولو ورد أمر
بطلب بعض أفراد عام أولا ، ثم ورد أمر آخر بطلب ما ظاهره العموم ، يجب أن
يحمل على التخصيص بما طلب أولا حتى يكون تأكيدا ، أو بغيره حتى يكون
تأسيسا .
وأما حمله على العموم - فيكون تأسيسا وتأكيدا معا - فغير جائز ، كما في
استعمال المشترك في معنييه ، لأن كل ما يدل على عدم جوازه ، يدل على عدم
جوازه أيضا . ولا شك أنه كان وجوب الوفاء بعقود كثيرة معلوما قبل نزول تلك
الآية ، فلا يمكن حملها على العموم ، إلا أن يحمل على باب التناسي ، ولكنه وإن
كان جائزا ، إلا أنه أيضا خلاف الأصل ، كالتخصيص في العقود ، فترجيح
أحدهما يحتاج إلى دليل ، فتأمل .
الثاني : أنه قد عرفت اتفاقهم على اشتراط الاستيثاق والشدة ( 3 ) في معنى
العقد ، وأنه العهد الموثق ، وهو المفهوم من لفظ العقد ، فلو أبقينا العقود على
العموم أيضا ، لما دل إلا على وجوب الوفاء بالعهود الموثقة ، لا كل عهد ، ففي كل
عهد يراد إثبات لزومه شرعا لا بد أولا من إثبات استحكامه واستيثاقه وشدته ،
هامش
( 1 ) المائدة 5 : 1 .
( 2 ) كما في كلام صاحب الكشاف المتقدم في ص 6 .
( 3 ) في " ج " : والشد .