لا ريب أنّ العقيدة هي وظيفة عقلية في مرحلتها الأولى ، وأنّ عقائد الإنسان وتصديقاته هي الأساس لجميع توجّهاته الفردية والاجتماعية في الحياة ، لأنّها هي التي تحدّد شاكلته ؛ قال تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ( الإسراء : 84 ) ، وهي التي تحفّزه وتدفعه نحو العمل ، وتحدّد اتّجاهه في الحياة . فإذا كانت عقيدة الإنسان صائبة مطابقة للواقع ، كان طريق حياته صائباً كذلك ، أمّا إذا كانت عقيدته فاسدة باطلة ، فإنّ طريق حياته لا يؤدّي إلّا إلى الضياع .
من هنا أَولى القرآن الكريم عناية فائقة بمسألة العقيدة ، وذمَّ الذين لا يستخدمون عقولهم في اختيار العقيدة السليمة ؛ قال تعالى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ( الأنفال : 55 ) .
وقال تعالى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ( الأنفال : 22 ) . أي : أنّ أولئك الأشخاص الذين آذانهم عن سماع الحقّ صمّاء ، وألسنتهم خرساء ، ولا يستثمرون عقولهم لإدراك الحقائق ، سيكون مصيرهم الخسران والهوان .
وقال تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ( الأعراف : 179 ) ، فمع أنّ الله تعالى أنعم عليهم بنعمة العقول والألسن إلّا أنّهم غافلون عمّا يجب سماعه من الحقائق الحقّة .
إذاً قيمة الإنسان من وجهة نظر القرآن ترتبط ارتباطاً وثيقاً برؤيته الاعتقادية ؛ ولذا ورد عن سيّد الوصيّين عليّ بن أبي طالب ( ع ) أنّه قال : «
رحم
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 959
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٩٥٩