تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 827

مساهمون:

ص٨٢٧
الواقع بين كثير من الحقائق أيضاً ، ثم إن لكل منها آثاراً مخصوصة وأحكاماً خاصّة ، ولا نعني بالحقيقة إلا ما يكون مبدأ أثر خارجيّ ، ولا نعني بالكثرة إلا ما يوجب تعدّد الأحكام والآثار ، فكيف يكون الممكن لا شيئاً في الخارج ولا موجوداً فيه ؟ وما يتراءى من ظواهر كلمات الصوفية أن الممكنات أمور اعتبارية أو انتزاعية عقلية ، ليس معناه ما يفهم منه الجمهور ممن ليس له قدم راسخ في فقه المعارف ، وأراد أن يتفطّن بأغراضهم ومقاصدهم بمجرّد مطالعة كتبهم ، كمن أراد أن يصير من جملة الشعراء بمجرّد تتبّع قوانين العروض من غير سليقة تحكم باستقامة الأوزان أو اختلالها عن نهج الوحدة الاعتدالية . فإنك إن كنت ممن له أهلية التفطّن بالحقائق العرفانية لأجل مناسبة ذاتية واستحقاق فطريّ ، يمكنك أن تتنبّه مما أسلفناه من أن كلّ ممكن من الممكنات يكون ذا جهتين : جهة يكون بها موجوداً واجباً لغيره من حيث هو موجود وواجب لغيره ، وهو بهذا الاعتبار يشارك جميع الموجودات في الوجود المطلق ، من غير تفاوت . وجهة أخرى بها يتعيّن هويّتها الوجودية ، وهو اعتبار كونه في أيّ درجة من درجات الوجود قوّةً وضعفاً ، كمالًا ونقصاناً ، فإنّ ممكنيّة الممكن إنّما تنبعث من نزوله عن مرتبة الكمال الواجبي والقوة الغير المتناهية والقهر الأتمّ والجلال الأرفع - وباعتبار كلّ درجة من درجات القصور عن الوجود المطلق الذي لا يشوبه قصور - ولا جهة عدمية ولا حيثية إمكانية يحصل للوجود خصائص عقلية وتعيّنات ذهنية هي المسمات بالماهيات والأعيان الثابتة ، فكلّ ممكن زوجٌ تركيبي عند التحليل من جهة مطلق الوجود ومن جهة كونه في مرتبة معيّنة من القصور » « 1 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية ، صدر المتألهين ، ج 2 ، ص 318 - 320 .