تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 1002

مساهمون:

ص١٠٠٢
والتوبة تختصّ بنشأة الدُّنيا دون الآخرة ، وهي لا تتحقّق إلّا في ظرف الاختيار وهي الحياة الدّنيا ، أمّا في ما لا اختيار للعبد في انتخاب كلّ من طريقي الصلاح والطلاح والسعادة والشقاوة فلا مسرح للتوبة فيه ، فتوبة العبد لا تُقبل في الآخرة . وتوبة العبد الفقير المحتاج إلى عفو ربّه تعالى وعنايته عزّ وجلّ وإعانة عبده فيحتاج رجوعه إلى ربّه بالعبوديّة والمسكنة إلى رجوع من ربّه إليه بالتوفيق والإعانة وهو توبة الله سبحانه لعبده المتقدّمة على توبة العبد إلى ربّه . وكذلك الرجوع إلى الله تعالى يحتاج إلى قبوله بمغفرة الذنوب وتطهيره من القذارات وألوان البُعد ؛ وهذه هي التوبة الثانية من الله سبحانه المتأخّرة عن توبة العبد إلى ربّه كما قال تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( النساء : 17 ) . فيستخلص السيّد الحيدري إلى أنّ توبة العبد محفوفة بتوبتين من الربّ تعالى ، حيث إنّه يرجع تعالى إلى العبد بالتوفيق وإفاضة رحمة الهداية وهي التوبة الأولى منه ، فيهتدي العبد إلى الاستغفار وهو توبته فيرجع تعالى إليه بقبول توبته وغفران ذنوبه وهي التوبة الثانية منه تعالى . ويستطرد سماحة السيّد الحيدري في تفصيل هذا المبحث فيعقد فصلًا مستقلًّا عن قبول التوبة من الله لعبده ويعدّها فضلًا منه تعالى لقوله سبحانه : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ وهنا يقبل الله التوبة لعباده لكن لا على أنّ لغيره أن يوجب عليه شيئاً أو يكلّفه بتكليف . وقد تقدّمت بعض الآيات في هذا المبحث تؤكّد أنّ الله يحبّ التوّابين ويحثّ عباده على التوبة ، قال تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ( النور : 31 ) ، فالله تعالى وعد عباده أن يقبل توبة التائب منهم وهو لا يُخلف الميعاد . فهذا معنى وجوب قبول التوبة على الله في ما يجب ، وهو أيضاً معنى وجوب كلّ ما يجب على الله من الفعل . فالله سبحانه غير مجبور في قبول التوبة ، بل له
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 1002 | حميد مجيد هدو