لعلّ الخيّام بما نُسب إليه من أشعار كان أسير النظرة الأُولى ، فأنت تراه يحثّ نفسه على اغتنام ما أمكن من لذائذ هذه الدُّنيا ، بما أنّ المآل إلى فناء ، وتراه مع هذا شديد الحسرة لهذا المصير الذي يهرق جمالًا كان مهوى الأفئدة ، ويبعثر قواماً كان مبعثاً لارتياح النفوس وانفراج الأسارير فإذا به رهين ذواء وفناء . لذلك ، وانطلاقاً من نظرته هذه ، وأنّه بدن مصيره إلى العدم ، فهو لا ينفكّ يدعو إلى الرفق بالتراب ، وذلك رفقاً بأُناس كانوا هذا التراب لمّا كانوا :
كلّ ذرّات هذه الأرض كانت
أوجهاً كالشموس ذاتَ بهاء
اجْلُ عن خدّك الغبار برفقٍ
فَهْو خدٌّ لكاعب حسناء
وها هو يألم لكسره كوزاً عن غفلة منه ، وعدم التفات ، وذلك لأنّه يعتقد أنّ هذا الكوز كان إنساناً مثله :
كسرتُ كوزاً للطلا عن جهلِ
إذْ كنت نشواناً سليبَ العقل
فراح يدعو بلسان الحال
مثلَك قد كنتُ وتغدو مثلي
ومن حقّه وهو يعتقد هذا الاعتقاد الفاسد أن يحيا حياةً تناسبه ، فالذي يرى أنّ حياته ليست إلّا أيّاماً يقضيها في هذه الدُّنيا ، ثمّ يموت ، وينتهي كلّ شيء ، فلماذا يحرم نفسه من ملذّات وشهوات ؟
ما عشت أسْرَ الدّهر فاجهد وارتشفْ
كأس الطّلا ما دمت تحمل طوقه
إن كان أوّلنا وآخرنا الثّرى
فاحسب كأنّك في الثرى لا فوقه
كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي) — صفحة 9
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٩