ما هو التناسخ
لقد تعرّض المصنّف ( رحمه الله ) لتعريف التناسخ وأنّه انتقال النفس من بدن عنصريّ أو طبيعيّ إلى بدن آخر ، منفصل عن الأوّل ، وقد قسّمه إلى قسمين : نزوليّ وصعوديّ ، وأشار إلى أنّ كلًّا منهما ينقسم إلى أربعة أقسام : نسخ ، ومسخ ، ورسخ ، وفسخ . وهذا النقل ليس شاملًا لكلّ نفس ، وهذا ما يمكن توضيحه من خلال العرض التالي : « وأجمع غيرهم ( التناسخيّة الذين هم أقلّ الحكماء تحصيلًا ، حيث قالوا بامتناع تجرّد شيء من النفوس ) من الحكماء الأوائل والأواخر على أنّ الكاملين من السّعداء تتّصل نفوسهم بعد المفارقة بالعالم العقلي ، وتنال من البهجة من السعادة « ما لا عينَ رأت ، ولا أُذنَ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » غير منقطعة لذّاتهم ، ولا متناهية مسرّاتهم .
وأمّا غير الكاملين من السعداء ، كالمتوسّطين منهم ، والناقصين في الغاية ، والأشقياء على طبقاتهم ، فقد اختلفوا في معادهم :
فذهب المنكرون للتناسخ كالمعلّم الأوّل وأتباعه من المتقدّمين والمتأخّرين إلى أنّ نفوسهم ، وإن تجرّدت بالكلّية عن الأبدان ، لكن تبقى معذَّبة في ظلمة الجهل والحجب الخلقيّة الرديّة ، إمّا أبداً ، إن كان الجهل مركّباً والأخلاق في غاية الرداءة ، ويزول عنها بعد زمان إن كان الجهل بسيطاً والخُلق الرديّ ليس في الغاية .
وذهب القائلون بالتناسخ كهرمس وأغاثاذيمون وأنباذقلس وفيثاغورث وسقراط وإفلاطون « 1 » وغيرهم من حكماء اليونان ومصر وفارس وبابل والهند والصين إلى أنّ نفوسهم لا تتجرّد بالكلّية ، بل تنتقل إلى تدبير بدن آخر .
لكنّهم اختلفوا في جهة الانتقال ، ولهذا قيل : « ما من ملّة من الملل إلّا
هامش
( 1 ) سوف تقف في ما يأتي على مدى صحّة هذه النسبة لأولئك الأماجد الأماثل .