الفعل للقوى حقيقة
الرابط الذي تمّ إثباته من خلال الحجّة المذكورة هو أنّ النفس والقوى تفعل نفس الفعل لكن بنحو يخصّ كلًّا منهما ، أي القوى تدرك شيئاً ، وهو جزئي حتماً ، والنفس تدرك نفس ذلك الجزئي لكن لا على نحو الجزئيّة ، وإنّما تدرك الجزئي على نحو الكلّية . ولكي يتّضح الأمر أكثر لابدّ من الوقوف على المصطلحات الثلاثة التالية :
- الكلّي .
- الجزئي على نحو جزئيّ .
- الجزئي على نحو كلّي .
أمّا الأوّل ، فهو المفهوم الذي لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين ، وذلك كالإنسان ، فإنّه مفهوم كلّي ، لأنّه لا يأبى أن يشترك فيه الكثير .
وأمّا الثاني : وهو المفهوم الذي يمتنع فرض صدقه على كثيرين ، ولو بالفرض ، وذلك حين الارتباط بالمعلوم بالعرض .
وأمّا الثالث : فهو المفهوم الذي يمتنع فرض صدقه على كثيرين أيضاً ، لكن مع عدم الارتباط بالمعلوم بالعرض ، وذلك كزيد مثلًا المقيّد بقيود كلّية متعدّدة ، كالطول والعرض والشكل والمكان . هذه القيود لا تشخّصه ، وإنّما تميّزه ، وهناك فرق بين التشخّص والتميّز ، إذ التشخّص صفة نفسيّة ذاتيّة ، بينما التميّز صفة إضافيّة ؛ والتشخّص لا يجتمع مع الكلّية بينما يكون ذلك مع التميّز .
وبالتالي فالفرق واضح ما بين الجزئي على وجه جزئيّ ، والجزئي على وجه كلّي ، حيث إنّ الأوّل يمنع فرض صدقه على كثيرين ، دون الثاني ، وأمّا الفرق بين الجزئي على وجه كلّي وبين نفس الكلّي فهو أنّ الأوّل مأخوذ فيه الأعراض المختلفة وإن كانت كلّية ، بينما الكلّي فلا تؤخذ فيه تلك ، وذلك لأنّه عقلي ، والأمر العقلي بريء حتّى عن تلك العوارض .