الشرح
علمتَ في النصّ السابق أنّ الموحّدين قد استدلّوا على وحدة النفس من خلال وجود أمر مشترك بين القوى المتعدّدة يربط بينها ، وقد استدلّوا على هذا الرابط من خلال المعاوقة التي تقع بين قوّة وأخرى ، وكذلك المعاونة ، حيث لا معنى لوجود كلٍّ منهما ما بين القوى التي تستقلّ إحداها عن الأُخرى .
المصنّف ( رحمه الله ) يريد أن يقول : إنّ هذا لا يجدي في المقام ، إلّا إذا تمّ توضيح معنى الربط بين تلك القوى ، فإنّ مطلق الربط بينها لا يمكن جعله حدّاً أوسط لإثبات الوحدة للنفس .
وفي معرض نقده لدليل الموحِّدين المذكور يذكر عدّة معانٍ محتملة للربط الذي ادّعاه أولئك الموحِّدون ، وقد أثبت عدم جدواها ، رغم أنّ أحدها يصلح لأن يكون تفسيراً مناسباً للربط الذي يفيد وحدة النفس . والسرّ في عدم جدوى هذا المعنى الذي له هذا الصلاح ، هو أنّه لا يصحّ على مباني هؤلاء الموحّدين .
والمعاني المحتملة الثلاثة هي :
1 - المراد من الربط الذي يجعل النفس واحدة ، هو أنّها علّة لهذه القوى ، وبالتالي فهذه القوى المتعدّدة معلولة لعلّة واحدة وهي النفس .
2 - المراد من الربط الذي يجعل النفس واحدة هو التدبير ، فالنفس تدبّر هذه القوى وتحرّكها ، فهي التي تفعل الأفعال المختلفة من خلال القوى المناسبة لكلّ فعل فعل .
3 - المراد من الربط الذي يجعل النفس واحدة هو التدبير ، بمعنى أنّ الأفعال تسند إلى القوى إسناداً حقيقيّاً ، أي إسناد الشيء إلى ما هو له ، بينما نفس تلك الأفعال تسند إلى النفس على نحو المجاز العقلي ، أي إسناد الفعل إلى ما ليس له .
وإليك هذه الاحتمالات واحداً بعد واحد ، مع النقد المناسب لكلٍّ منها .