تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
بناء على هذا يتّضح أن لا تعارض بين الآيات التي تقول إنّ الهدف من بعثة الأنبياء هو القرب الإلهى ، كقوله تعالى ) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ( وبين الآيات التي تقول إنّ الهدف من بعثة الأنبياء هو إقامة العدالة في المجتمع ، كقوله تعالى ) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) « 1 » ؛ لأنّ الآيتين تشيران إلى مسألة في غاية الأهمّية ، وهى أنّ قيام الناس بالقسط وإقامة العدالة الاجتماعية هو الطريق الأمثل لتحقّق القرب الإلهى والعبودية له تعالى ، ونظير ذلك نجده في قوله تعالى : ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) « 2 » وقوله تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) « 3 » ؛ وما ذلك إلّا لأنّ العبادة تمثّل الطريق الوحيد للوصول إلى درجة اليقين . إذاً النظرية القرآنية حينما تؤكّد ضرورة إقامة العدل الاجتماعي ؛ إنّما تفعل ذلك باعتباره الطريق السليم لإيصال الإنسان إلى الهدف المنشود . ومن ثمّ يكون الإنسان مندفعاً لإقامة العدل الاجتماعي ؛ لأنّه يرى أنّ العدل الاجتماعي يمثّل الوسيلة والسبيل للوصول إلى هدفه الذي خُلق لأجله ، وإن كان طبع الإنسان وموقفه الأولى هو عدم الميل للعدل الاجتماعي كما تقدّم . فربط الإنسان بالسماء وبهدفه الأصلي هو الدافع والمحرّك للإنسان لتطبيق قواعد العدل الإلهى . وهذه هي القواعد الأخلاقية التي أسّسها الإسلام لتربية الإنسان ودفعه صوب تطبيق قواعد العدل الإلهى .
هامش
( 1 ) الحديد : 25 . ( 2 ) الحجر : 99 . ( 3 ) الذاريات : 56 .