الشرح
القسم الثاني من اليقينيات وهو المسمّى بالمشاهدات أو المحسوسات ، سواء كانت ظاهرة كالشامّة والذائقة واللّامسة والباصرة والسامعة ، أم باطنة كالحسّ المشترك والوهم والخيال . . . وما إلى ذلك . والقضايا المتيقّنة بالحواسّ الظاهرة تسمّى حسيّات .
ولكي يتّضح المراد نضرب مثلًا ، وهو : إذا رأيت ناراً أمامك ، فإمّا يحصل لك يقين بوجودها أو جزم . وتقدّم في البحث السابق أنّ اليقين مركّب من ركنين أساسيين : الجزم بالشيء ، وأنّ الجزم لا يزول . وحتّى يحصل لك يقين بأنّ النار حارّة ، لابدّ أن تضع يدك عليها ، حينئذ ينتقل إلى ذهنك أنّها حارّة . وهذه القضية تسمّى قضية محسوسة . والقضايا المحسوسة جزئية ، والقضايا الجزئية أو هذه المحسوسات قد تخطئ .
إذن عندما تضع يدك على النار وتقول : النار حارّة ، يحصل عندك يقين بحرارتها . والمقصود باليقين هنا اليقين بالمعنى المصطلح ، أي ما يمكن أن يزول ، لأنّا قلنا : مثل هذه القضايا قد تخطئ فيزول الجزم .
وزيادة في الإيضاح نضرب مثالًا آخر فنقول : لو نظرتَ إلى نجمة بعيدة في السماء ، فتتراءى لك صغيرة ، مع أنّها كبيرة في الواقع .
من هنا قالوا : إنّ أخطاء الحسّ كثيرة ، بل قال العلماء المحدثون : إنّ أخطاءها قد تصل إلى الآلاف . وإذا كانت بهذه الكثرة فلا يحصل يقين بها ، وإنّما يحصل جزم . فإنّك عندما تضع يدك على النار تشعر بحرارتها وتجزم بوجود الحرارة ، ولكنّه جزم يزول .
إذا اتَّضح هذا نقول : إنّ الكلام في المحسوسات وليس في الجزميّات . والمحسوسات تفيد اليقين ولا تفيد الجزم ، ولكي تفيد اليقينَ لابدّ أن نركّب
شرح كتاب المنطق — صفحة 46
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٦