الملازمة بين الحكم العملي وحكم الشارع
عرفنا أنّ مرجعَ الحكمِ العمليّ إلى الحسنِ والقبح ، وأنّهما أمرانِ واقعيّانِ يدركُهما العقل . وقبلَ الدخولِ في الحديثِ عن الملازمةِ ينبغي أن نقولَ كلمةً عن واقعيّةِ هذينِ الأمرين ؛ فإنّ جملةً من الباحثينَ فسّرَ الحسنَ والقبحَ بوصفِهما حكمينِ عقلائيّينِ ، أي مجعولينِ من قبلِ العقلاءِ تبعاً لما يدركونَ من مصالحَ ومفاسدَ للنوعِ البشري ، فما يرونَه مصلحةً كذلك يجعلونَه حسناً ، وما يرونَه مفسدةً كذلك يجعلونَه قبيحاً . ويميّزُهما عن غيرِهما من التشريعاتِ العقلائيّةِ اتّفاقُ العقلاءِ عليهما وتطابقُهم على تشريعِهما ؛ لوضوحِ المصالحِ والمفاسدِ التي تدعو إلى جعلِهما .
وهذا التفسيرُ خاطئٌ وجداناً وتجربة . أمّا الوجدانُ فهو قاضٍ بأنّ قبحَ الظلمِ ثابتٌ بقطعِ النظرِ عن جعلِ أيّ جاعلٍ ، كإمكانِ الممكن .
وأمّا التجربةُ فلأنّ الملحوظَ خارجيّاً عدمُ تبعيّةِ الحسنِ والقبحِ للمصالحِ والمفاسدِ ؛ فقد تكونُ المصلحةُ في القبيحِ أكثرَ من المفسدةِ فيه ، ومعَ هذا يتّفقُ العقلاءُ على قبحِه . فقتلُ إنسانٍ لأجلِ استخراجِ دواءٍ مخصوصٍ من قلبِه يتمُّ به إنقاذُ إنسانينِ من الموتِ إذا لوحظَ من زاويةِ المصالحِ والمفاسدِ فقط ، فالمصلحةُ أكبرُ من المفسدة ، ومعَ هذا لا يشكُّ أحدٌ في أنّ هذا ظلمٌ وقبيحٌ عقلًا . فالحسنُ والقبحُ إذن ليسا تابعينِ للمصالحِ والمفاسدِ بصورةٍ بحتةٍ ، بل لهما واقعيّةٌ تلتقي مع المصالحِ والمفاسدِ في كثيرٍ من الأحيانِ وتختلفُ معها أحياناً .
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 367
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٦٧