الملازمة بين الحكم النظريّ وحكم الشارع
لا شكَّ في أنّ الأحكامَ الشرعيّةَ تابعةٌ للمصالحِ والمفاسدِ ، وأنّ الملاكَ متى ما تمَّ بكلِّ خصوصيّاتِه وشرائطِه ، وتجرّدَ عن الموانعِ عن التأثيرِ ، كان بحكمِ العلّةِ التامّةِ الداعيةِ للمولى إلى جعلِ الحكمِ على طبقِه ، وفقاً لحكمتِه تعالى ؛ وعلى هذا الأساسِ فمن الممكنِ نظريّاً أن نفترضَ إدراكَ العقلِ النظريّ لذلك الملاكِ بكلِّ خصوصياتِه وشؤونه ، وفي مثلِ ذلك يُستكشفُ الحكمُ الشرعيّ لا محالةَ استكشافاً لمّيّاً ، أي بالانتقالِ من العلّةِ إلى المعلول .
ولكنّ هذا الافتراضَ صعبُ التحقّقِ من الناحيةِ الواقعيّةِ في كثيرٍ من الأحيانِ ؛ لضيقِ دائرةِ العقلِ وشعورِ الإنسانِ بأنّه محدودُ الاطّلاع ، الأمرُ الذي يجعلُه يحتملُ غالباً أن يكونَ قد فاتَه الاطّلاعُ على بعضِ نكاتِ الموقف ، فقد يدركُ المصلحةَ في فعل ، ولكنَّه لا يجزمُ عادةً بدرجتِها وبمدى أهميّتِها وبعدمِ وجودِ أيّ مزاحمٍ لها ، وما لم يجزم بكلِّ ذلك لا يتمُّ الاستكشاف .
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 359
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٥٩