اقتضاء وجوبِ الشيء لحرمة ضدّه
وقعَ البحثُ في أنّ وجوبَ شيءٍ هل يقتضي حرمةَ ضدِّه أو لا ؟ ويرادُ بالضدِّ : المنافي على نحوٍ يشملُ الضدّ العامَّ والضدَّ الخاصّ . ويرادُ بالاقتضاءِ : استحالةُ ثبوتِ وجوبِ الشيءِ معَ انتفاءِ حرمةِ ضدِّه ، سواءً كانت هذه الاستحالةُ ناشئةٍ من أنّ أحدَهما عينُ الآخرِ ، أو من أنّ أحدَهما جزءُ الآخرِ ، أو من الملازمةِ بينهما .
والمشهورُ في الضدِّ العامِّ هو القولُ بالاقتضاءِ ، وإن اختُلفَ في وجههِ :
فقالَ البعضُ : إنّه بملاكِ العينيّةِ ، وهوَ غريبٌ ، لأنّ الوجوبَ غيرُ التحريمِ ، فكيفَ يقالُ بالعينيّة ؟
وقد يوجّهُ ذلك : تارةً بأنّ وجوبَ الشيءِ عينُ حرمةِ الضدِّ العامِّ في مقامِ التأثيرِ لا عينُه في عالمِ الحكمِ والإرادة . فكما أنّ حرمةَ الضدِّ العامِّ تبعّدُ عنه ، كذلك وجوبُ الشيءِ يبعّدُ عن ضدِّه العامِّ بنفسِ مقرّبيّتِه نحوَ الفعلِ ومحرّكيّتِه إليه .
وتارةً أخرى بأنّ النهيَ عن الشيءِ عبارةٌ عن طلبِ نقيضِه ؛ فالنهيُ عن التركِ عبارةٌ عن طلبِ نقيضِه ، وهو الفعل ، فصحَّ أن يقالَ : إنّ الأمرَ بالفعلِ عينُ النهيِ عن الضدِّ العامّ .
ويردُ على التوجيهِ الأوّلِ : أنّه لا يفي بإثباتِ حرمةِ الضدِّ حقيقة . وعلى التوجيهِ الثاني : أنّه يرجعَ إلى مجرّدِ التسمية ، هذا مضافاً إلى أنّ النهيَ عن شيءٍ معناهُ الزجرُ عنهُ لا طلبُ نقيضِه .
وقالَ البعضُ : إنّه بملاكِ الجزئيّةِ والتضمّنِ ؛ لأنّ الوجوبَ مركّبٌ من
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 215
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢١٥