[ اجتماع الوجوب الغيريّ مع الحرمة النفسيّة ]
وقد واجهَ الأصوليّونَ هنا مشكلةَ اجتماعِ الأمرِ والنهي من ناحيةٍ أخرى في المقامِ ، وحاصلُها : أنّه قد افتُرضَ كونُ الخروجِ مقدّمةً للتخلّصِ الواجبِ من الغصب ؛ ومقدّمةُ الواجبِ واجبةٌ ، فيكونُ الخروجُ واجباً فعلًا معً كونِه منهيّاً عنه بالنهي السابقِ الذي لا يزالُ فعليّاً بخطابِه وروحِه معاً ، أو بروحِه وملاكِه فقط على الأقلّ ، فهل يلتزمُ بأنّ الخروجَ ليس مقدّمةً للواجبِ ، أو بتخصيصٍ في دليلِ حرمةِ التصرّفِ في المغصوبِ على نحوٍ ينفي وجودَ نهيٍ من أوّلِ الأمرِ عن هذهِ الحصّةِ من التصرّفِ أو بانخرامٍ في قاعدةِ وجوبِ المقدّمةِ ؟ وجوهٌ بل أقوال :
أمّا الوجهُ الأوّلُ فحاصلُه : أنّ الخروجَ والبقاءَ متضادّانِ ؛ والواجبُ هو تركُ البقاءِ ، وفعلُ أحدِ الضدّينِ ليس مقدّمةً لتركِ ضدّه ، كما تقدّمَ في الحلقةِ السابقة .
وهذا الوجهُ - حتى إذا تمَّ - لا يحلُّ المشكلةَ على العمومِ ، لأنّ هذه المشكلةَ لا نواجهُها في هذا المثالِ فقط ، بل في حالاتٍ أخرى لا يمكنُ إنكارُ المقدّميّةِ فيها ، من قبيلِ : من سبّبَ بسوءِ اختيارِه إلى الوقوعِ في مرضٍ مهلكٍ ينحصرُ علاجُه بشربِ الشرابِ المحرّمِ ، فإنّ مقدميّةَ الشربِ في هذهِ الحالةِ واضحة .
وأمّا الوجهُ الثاني فلا يمكنُ الأخذُ به إلّا معَ قيامِ برهانٍ على التخصيصِ المذكورِ بتعذّرِ أيّ حلٍّ آخرَ للمشكلة .
وأمّا الوجهُ الثالث فهو المتعيّنُ ؛ وذلك بأن يقالَ : إنّ المقدّمةَ من ناحيةِ انقسامِها إلى فردٍ مباحٍ وفردٍ محرّمٍ على أقسام :
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 125
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٥