وأخيراً - وفي نهاية هذا البحث الذي نعتقد بضرورته العلميّة والعمليّة - قد يقول قائل : رغم كلّ الاهتمام الذي أولاه المشرّع الإسلامي لموضوع الزكاة - كما بُيّن ذلك في الصفحات المتقدّمة - إلّا أنّنا لا نجد أثراً عملياً لتأثير هذه المسألة في واقعنا العملي ، بل إن هذه الفريضة الهامّة والأساسيّة في شريعتنا الإسلاميّة انحسرت بشكل وبآخر من واقعنا المعاصر ، فهل هذا الانحسار يتناسب مع كون هذه الفريضة تمثل العصب الأصلي للاقتصاد الإسلامي ؟ ! فأين هي المشكلة وما هو علاجها ؟
والجواب : لا يختلف اثنان في أن الإسلام ليس مجرد طقوس عباديّة صرفة ، بل هو حلول لمختلف الميادين التي يتحرّك الفرد بها ، ومن ضمنها الميدان المالي الذي سنّت له الشريعة الإسلاميّة قوانين خاصّة وفروضاً مهمّة ، فجاءت بفريضة الزكاة وأكّدتها بنصوص وفيرة ، وقرنتها - كما تقدّمت الإشارة - بأهمّ الأركان العباديّة وهي : الصلاة ، وما ذلك إلّا لكونها علاجاً دائمياً لفقراء الأمّة ، وصقل نفوس أغنيائهم ، وبثّاً لروح التعاون والإيثار فيما بينهم ، لكن هذه الفريضة لم يُسمح لها أن تحقّق أهدافها بالشكل الذي أُريد لها ، فكانت وسيلة بيد سلاطين الجور لتقويّة سلطانهم ، وإحكام قبضتهم على فقراء الناس - بل وأغنيائهم أيضاً - ومن هنا اضطرّ ولاة الأمر الحقيقيون لتضييق موارد وجوب الزكاة تارة ، وتوسيعها تارة أخرى ، فجاءت أخبارهم متعارضة في النظر البدوي ، فلابدّ من بذل عناية لرفع ذلك التعارض ؛ لنجعل لهذه الفريضة حركيّة تتناسب مع الأهداف العامّة من تشريعها .
فتحصّل من جميع ما تقدّم : أن الزكاة ثابتة من بدايات التشريع وأصله في عموم الأموال ، لكن تحديد مصاديق هذه الأموال عائد إلى ولي الأمر وتشخيصاته التي تختلف من زمان إلى زمان آخر .
رسائل فقهية — صفحة 92
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٩٢