الجانب التجريديّ وإن كان ذلك جزءاً من حقيقتها ، وإنّما يريدون بها الجانب المعنويّ الذي يمثّل الحقيقة المطلوبة من وراء ظاهر الأشياء ، فالصلاة بأركانها المخصوصة لها روحانيّةٌ ومعنويّةٌ وراء صورتها وهيئتها ، فالحديث عن روحانيّة الطهارة والصلاة وسائر العبادات لا يراد منه تبيين الأركان المخصوصة لكلّ عبادةٍ ، وإنّما يراد به بيان الحقائق الكامنة في تلك العبادات ؛ فقول الإمام أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) :
« الصلاة قربان كلّ تقيٍّ » « 1 » ؛
يريد به الجانب المعنويّ الذي تشتمل عليه الصلاة ، وإلّا فالصلاة بأركانها المخصوصة قد تخلو من القربانيّة فتردّ على صاحبها .
من هنا سنسلّط الضوء على هذه الجوانب الخفيّة في العبادات والتي تمثّل حقيقة العبادات ، وأنّها هي المطلوبة أوّلًا وبالذات ، وأنّ هذه الحقائق المعنويّة لا يمكن تحصيلها بدون الإتيان بالعبادات على أشكالها وصورها الشرعيّة .
صورٌ روحانيّةٌ من الطهارة
معنى الماء الطهور
إنّ أدقّ معاني الطهور هو الخلوص من مطلق النجاسات المادّيّة والمعنويّة ، وحيث إنّنا لا نقدر عادةً على تهيئة هذا القدر الرفيع فعلينا تحصيل القدر المتيقّن من الطهور ، وذلك من خلال الاستفادة من الماء الذي لا تشوبه شائبة نجاسةٍ مادّيّةٍ أو شبهة غصبٍ ، فالماء المغصوب مغصوبٌ أثره التكوينيّ ، والماء النجس مسلوبٌ أثره التكوينيّ في التطهير .
لقد كان بعض العرفاء إذا ما أقبل على الوضوء تمعّن بالماء طويلًا وسأل ربّه باكياً أن يجعله طهوراً لظاهره وباطنه ، وكأنّه يرمي بذلك إلى الأثر
هامش
( 1 ) أصول الكافي ، للشيخ الكلينيّ : ج 3 ، ص 265 ، ح 6 .