مناقشة القول الأول
إنّ أقلّ ما يلزم هذا القول هو أن تكون بعض الآيات القرآنيّة لا ينال تأويلها أي تفسيرها - وهو المراد من مداليلها اللفظيّة - عامّةُ الأفهام ، والحال أنّه ليس في القرآن آية غير قابلة للفهم ، بل القرآن ناطق أنّ الله إنّما أنزل كتابه ليُعلم ويُفهم ويُتفقّه ويُتدبّر فيه ؛ قال تعالى : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ص : 29 .
« ولا مناص لصاحب هذه النظريّة إلّا أن يختار أنّ الآيات المتشابهة إنّما هي فواتح السور من الحروف المقطّعة ، حيث لا ينال معانيها عامّة الأفهام . ويرد عليه : أنّه لا دليل عليه .
ومجرّد كون التأويل مشتملًا على معنى الرجوع وكون التفسير أيضاً غير خالٍ عن معنى الرجوع ، لا يوجب كون التأويل هو التفسير ، كما أنّ الأمّ مرجع لأولادها وليست بتأويل لهم ، والرئيس مرجع للمرؤوس وليس بتأويل له » « 1 » .
القول الثاني : التأويل هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ
شاع هذا المعنى بحيث عاد لفظ التأويل حقيقة ثانية فيه عند المتأخّرين من الباحثين عموماً ، وحاصله : أنّ التأويل هو حمل الكلام على خلاف الظاهر منه ، فلا يوجد لكلّ الآيات تأويل ، وإنّما يختصّ ذلك بالآيات المتشابهة التي لا يحيط بعلمها إلّا الله تعالى ، كالآيات الظاهرة في الجسميّة لله تعالى ، والاستواء ، والرضا ، والسخط ، وغيرها من الأوصاف المنسوبة لله تعالى ، وكذلك الآيات الظاهرة في نسبة الذنوب إلى الأنبياء عليهم السلام .
« وهذا هو التأويل الذي يتكلّمون عليه في أصول الفقه ومسائل
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 3 ، ص 47 . .