وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً الإنسان : 21 ، حيث قال :
« يطهّرهم عن كلّ شيء سوى الله » « 1 »
. وهذه المرتبة من الطهارة لا تنطبق إلّا على الصنف الثالث من العباد الذين يعبدون الله تعالى لا خوفاً ولا طمعاً ، وإنّما لأنّه أهل للعبادة « 2 » .
بعد أن اتّضح معنى الطهارة وأنّها ممتدّة لتشمل ضروب الطهارة المادّية والمعنويّة بمراتبها المختلفة بما فيها الطهارة القلبيّة ، نتساءل عن الدليل الذي يشترط تحقّق الطهارة المعنويّة بمراتبها لرؤية ملكوت وباطن الأشياء .
لعلّ أوضح النصوص القرآنيّة التي تتضمّن الدلالة على شرطيّة الطهارة في الرؤية والمشاهدة القلبيّة هو قوله تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ الواقعة : 77 - 79 .
توضيحه : تقدّم أنّ المراد من « المكنون » هو المحفوظ والمصون عن
التغيير والتبديل ، وهذا الكتاب هو باطن وملكوت القرآن الكريم الذي فيه تبيان كلّ شيء . واتّضح أيضاً أنّ من خصائص هذا الكتاب أنّه لا يمكن أن يُنال من خلال العقل والفكر والمفاهيم ، وإنّما تنحصر المعرفة به من خلال المشاهدة القلبيّة .
أمّا قوله تعالى : لا يَمَسُّهُ ففيه احتمالان :
الأوّل : أن يرجع الضمير إلى القرآن في قوله : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ .
الثاني : عود الضمير إلى الكتاب المكنون في قوله : فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ .
ومقتضى قواعد اللّغة العربيّة عود الضمير إلى أقرب المراجع ، إلّا إذا
هامش
( 1 ) تفسير الصافي ، الفيض الكاشاني ، الطبعة الثانية ، 1416 ه - ، مؤسسة الهادي ، قم المقدسة : ج 5 ، ص 265 .
( 2 ) انظر : تسنيم ( تفسير القرآن الكريم ) ، المفسّر الحكيم آية الله جوادي آملي ، بالفارسيّة : ج 1 ، ص 45 . .