وحاصل ما تقدّم أنّ ما يلحظ من التركيز على اليقين الوارد في هذه النصوص ، أنّه ليس هو من سنخ اليقين الحاصل من المفاهيم الذهنية والبراهين العقليّة المسمّى بالعلم الحصولي الذي يكون عرضة للشكّ والشبهات .
الفرق بين اليقين القرآني واليقين الاصطلاحي
عند التأمّل في النصوص القرآنيّة والروائية آنفة الذِّكر ، نجد أنّها تسجِّل فوارق مهمّة بين اليقين القرآني واليقين الاصطلاحي ؛ من هذه الفوارق :
1 . إنّ اليقين الاصطلاحي يحصل من طريق المقدّمات الفكريّة والاستدلالات العقليّة . أمّا اليقين القرآني فإنّه لا يحصل إلّا من خلال مشاهدة الملكوت بالرؤية القلبيّة - كما سيأتي .
2 . إنّ اليقين القرآني لا مجال فيه للغفلة عن النتائج المترتّبة عليه .
أمّا اليقين الاصطلاحي فلا ملازمة بينه وبين الآثار المترتّبة عليه غالباً ، وهذا ما تقرّره الآية المباركة : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ النمل : 14 ، فعلى الرغم من حصولهم على اليقين الاصطلاحي إلّا أنّهم لم يؤمنوا بذلك ، ممّا يكشف عن عدم ملازمة مثل هذا اليقين للآثار المترتّبة عليه .
3 . إنّ اليقين القرآني لا مجال فيه للشكّ والريب والتزلزل ؛ لأنّه لم يحصل من طريق الاستدلالات العقليّة والفكريّة ، وإنّما هو بالمشاهدة وحضور نفس المعلوم لدى العالم ، وهذا بخلاف اليقين الاصطلاحي ، فإنّه بمجرّد حصول
خلل في بعض المقدّمات يحصل شكّ في النتائج المترتّبة على تلك المقدّمات .
طريق الوصول إلى اليقين القرآني
هنالك عدد من النصوص القرآنية تلتقي في تأكيد أنّ الطريق والسبيل الوحيد لتحقّق اليقين القرآني هو المشاهدة القلبيّة لملكوت الأشياء ، ومن أهمّ هذه النصوص قوله تعالى : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ