أنّهُ لم يقلْ أحد بأنَّ تعقّبَ القبولِ لهُ دخلٌ في معناها . نعمْ ، تحقّقُ القبولِ شرطٌ للانتقالِ في الخارجِ ، لا في نظرِ الناقلِ ؛ إذْ لا ينفكُّ التأثيرُ عنِ الأثرِ ، فالبيعُ وما يساويهِ معنىً ، منْ قبيلِ الإيجابِ والوجوبِ ، لا الكسرِ والانكسارِ - كما تخيّلهُ بعضٌ - فتأمّلْ .
ومنهُ يظهرُ ضعفُ أخذِ القيدِ المذكورِ في معنى البيعِ المصطلحِ ، فضلًا عنْ أنْ يُجعلَ أحدَ معانيها .
وأمّا البيعُ بمعنى الأثرِ وهوَ الانتقالُ ، فلمْ يوجدْ في اللغةِ ولا في العرفِ ، وإنّما وقعَ في تعريفِ جماعةٍ تبعاً للمبسوط .
وقدْ يوجّهُ : بأنَّ المرادَ بالبيعِ المحدودِ المصدرُ منَ المبنيِّ للمفعولِ ، أعني : ( المبيعيّة ) ، وهو تكلّفٌ حسنٌ .
وأمّا البيعُ بمعنى العقدِ ، فقدْ صرّحَ الشهيدُ الثاني ( رحمه الله ) : بأنَّ إطلاقهُ عليهِ مجازٌ ؛ لعلاقةِ السببيّةِ . والظاهرُ : أنَّ المسبّبَ هوَ الأثرُ الحاصلُ في نظرِ الشارع ؛ لأنّه المسبّبُ عنِ العقدِ ، لا النقلُ الحاصلُ منْ فعل الموجب ؛ لما عرفتَ منْ أنّهُ حاصلٌ بنفسِ إنشاءِ الموجبِ منْ دونِ توقّفٍ على شيءٍ ، كحصولِ وجوبِ الضربِ في نظرِ الآمرِ بمجرّدِ الأمرِ وإنْ لمْ يصرْ واجباً في الخارجِ في نظرِ غيرهِ .
وإلى هذا نظرَ جميعُ ما وردَ في النصوص والفتاوى منْ قولهمْ : ( لزمَ البيعُ ) ، أوْ ( وجبَ ) ، أو ( لا بيعَ بينهما ) ، أوْ ( أقالهُ في البيعِ ) ونحوِ ذلكَ .
والحاصلُ : أنَّ البيعَ الذي يجعلونهُ منَ العقود يُرادُ بهِ النقلُ بمعنى : اسمِ المصدرِ ، معَ اعتبارِ تحقّقهِ في نظرِ الشارعِ ، المتوقّفِ على تحقّقِ الإيجابِ والقبولِ ، فإضافةُ العقد إلى البيع بهذا المعنى ليستْ بيانيّةً ؛ ولذا يقال : ( انعقد البيعُ ) ، و ( لا ينعقدُ البيعُ ) .
بحوث في فقه عقد البيع — صفحة 362
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٦٢