الذين يمثّلون مصداق الإنسان الكامل الذي يجمع هذه العوالم في محوطة وجوده .
سيراً على هدى هذه الحقيقة يقرّر القرآن الكريم أنّ يوسف عليه السلام كان جامعاً لتلك العوالم الثلاثة ، فمن حيث ارتباطه بعالم العقل والمجرّدات التامّة
يأتي قوله تعالى : ) لَوْ لَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ( .
وقد أشرنا فيما سبق أنّ هذا البرهان نوع سلطان لا يعتريه شكّ ولا ريب فهو يمثّل الطور الأعلى من العلم واليقين الذي ليس له محلّ إلّا العقل المجرّد .
وأمّا من حيث ارتباطه بعالم المثال المنفصل فيدلّ عليه قوله تعالى : ) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى . . ( . فإنّ تفسيره عليه السلام لرؤيا صاحبيه في السجن كان صادقاً وقد تحقّق في المستقبل تأويل هاتين الرؤيتين كما أخبر به هو في السجن ، وهذا يدلّ على أنّه كان واقفاً على عالم المثال الذي يمثّل الواقع الذي تؤول إليه الرؤيتان .
وأمّا تسلّطه على عالم المادّة فبالإضافة إلى نشأته الطبيعية وبعده المادّى فإنّه صار أميناً على خزائن الأرض ومكنونات الطبيعة كما قال تعالى : ) قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( « 1 » .
وبذلك يثبت أنّ يوسف عليه السلام كان واصلًا إلى مقام الكون الجامع .
هامش
( 1 ) يوسف : 55 .