وبناءً على قواعد اللغة العربية ينبغي عود الضمير إلى أقرب المراجع إلّا إذا دلّت قرينة على خلاف ذلك أو وجد مانع عقلىّ يمنع من إرجاع الضمير إلى الأقرب . وفى هذا الضوء وبمقتضى هذه القاعدة اللغوية لابدّ أن يرجع الضمير في ( لا يمسّه ) إلى الكتاب المكنون .
أمّا معنى المسّ فهو العلم به .
وعلى هذا فتدلّ الآية على أنّ الكتاب المكنون لا يعلمه أحد إلّا المطهّرون ، أي لا يعلمه علماً حضورياً إلّا المطهّرون ، ولعلنا لا نجانب الصواب إذا ما قلنا أنّ السبب في تعبير القرآن ( لا يمسّه ) بدلًا من التعبير ب ( لا يعلمه ) لأجل أن لا ينصرف الذهن إلى العلم المتعارف الذي ينسجم مع قوانين المفاهيم والألفاظ . وقد تقدّم الكلام في حقيقة اليقين القرآني وأنّه عملية مسّ ومشاهدة للحقائق ، كالذي يقع في النار ويحترق فيها ، فعلمه بالنار من خلال مسّه لحقيقة النار .
ومن هنا لا يكون مفاد « لا » في لا يمسّه النهى عن مسّ الكتاب إلّا عن طهارة ؛ لأنّه يلزم أن تكون الطهارة منحصرة بالطهارة المادّية فقط ؛ بمعنى
أنّ الإنسان غير المتطهّر مادّياً لا يجوز له مسّ القرآن ، وهذا المعنى لا يتلاءم مع إطلاق الطهارة الشاملة لجميع مراتبها المادّية والمعنوية بما فيها الطهارة القلبية . وعلى هذا يكون مفاد « لا
» : النفي أي أنّها نافية ، وليست ناهية ، ومن ثمّ تكون الآية في صدد الإخبار عن هذه الحقيقة ، وهى أنّ الذي يقف ويشاهد ملكوت وباطن الأشياء بالمشاهدة القلبية هم المطهّرون فقط ، الواجدون لجميع مراتب الطهارة ، وهم أصحاب القلب السليم من التعلّق عمّا سوى الله تعالى .
الولايه التكوينية (حقيقتها ومظاهرها) — صفحة 73
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٧٣