إلا أن هذا الاحتمال ساقط عادة إذ لو كانت توجد رواية كذلك عندهم ، فكيف لم يذكروها في كتبهم الفقهية الاستدلالية أو الروائية ، إذ من غير المعقول أنهم جميعاً قد استندوا إلى رواية واضحة الدلالة على ذلك ولذلك أجمعوا على مضمونها ، ومع ذلك لم يتعرّض لذكرها أحد منهم ، مع أنهم قد تعرّضوا لروايات ضعاف
لا يستندون إليها سنداً أو دلالة في مجاميعهم الحديثية أو كتبهم الاستدلالية ؟ بل كيف يحتمل ذلك مع ملاحظة أن فتاواهم ومتونهم الفقهية كانت على حسب الروايات الواردة غالباً - كما ذكره الشيخ الطوسي في مقدّمة كتابه « المبسوط » - لا أنها تفريعات وتشقيقات مستقلّة كما في المتون الفقهية المتأخرة ؟ فكيف يفترض وجود رواية لم يجعلوا لها متناً في كتبهم فغفلوا عنها نهائياً ؟ كلّ ذلك يوجب العلم بسقوط هذا الاحتمال ، وبالتالي تعيين الاحتمال الآخر .
* وهو أنهم قد تلقّوا الحكم المذكور بنحو الارتكاز العامّ الذي لمسوه عند الجيل الأسبق منهم وهم جيل أصحاب أئمة أهل البيت عليهم السلام ، الذين هم حلقة الوصل بينهم وبين الأئمة عليهم السلام ، ومنهم انتقل كلّ هذا العلم والفقه إليهم ، وهذا الارتكاز ليس رواية محدّدة لكي تنقل ، بل هو مستفاد بنحو أو آخر من مجموع دلالات السنة من فعل المعصوم أو تقريره أو قوله على تضبط في أصل معيّن ، وهذا هو التفسير الذي تلتئم به قطعياتنا الوجدانية في المقام .
ولما كانت كلّ هذه الافتراضات قريبة من الحسّ لأنّ الارتكاز أمر كالحسّ وليس كالبراهين العقلية الحدسية ، لا يمكن أن يقال : لعلهم أخطأوا جميعاً في فهمه ، فلا محالة يحصل الجزم أو الوثوق بالحكم ضمن شروط وتحفّظات لابدَّ من أخذها بعين الاعتبار لتتمّ الحسابات الكاشفة .
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 563
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٥٦٣