حواضرنا العلمية في النجف الأشرف وقم المقدّسة وغيرهما ، فمنذ أن انتسبتُ للحوزة العملية وأنا أرى أساتذتنا الأعلام يتعاطون الأسلوب النقدي مع ما يطرحه معاصروهم من أفكار وآراء دون أن يجتمع الطرفان معاً في مكان واحد ، وإنما يتكفّل بهذه المهمّة طلّاب كلّ منهما ، بأن يحملوا الفكرة الجديدة إلى أستاذهم الآخر ويطرحوها أمامه كمجرّد رأي علميّ ، ثُمّ يتولّى الأستاذ مناقشة الفكرة ، والردّ عليها في حال كونه لم يوافق عليها . وكلّ هذه العملية تجري في ظلّ أجواء هادئة تفسح المجال للتأمّل والتحقيق العلمي الرصين للمسائل الفكرية المطروحة .
أما مبرّرات اختياري لهذا الأسلوب ، فأضعها بين يدي القارئ بالنحو التالي :
المبرّر الأول : أن الحوارات المباشرة يسودها الكثير من الارتجال والعجلة ولا تتوفّر فيها الفرصة للطرفين في التريّث والتدقيق والمراجعة للمصادر والآيات والروايات ، والعامل الأساسي في كلّ هذه العملية هو الاعتماد على الذاكرة وما يحفظه المرء حين المحاورة .
قد يبدو هذا الأمر جيداً لمن يستمتع بغلبة الخصوم وإحراجهم ، ولكنه ليس بالأمر المهم لمن يحرص على التعرّف على
أولويات منهجية في فهم المعارف الدينية — صفحة 32
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٢