تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في تفسير الكتاب — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
وبهذا يتّضح أنّ الهداية المطلوبة في المقام ليست هي الهداية التشريعيّة التي بها هدى الله جميع البشر بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم ، كما أنها ليست هي الهداية التكوينيّة العامّة التي أودع الله في طبيعة كلّ موجود ، سواء كان جماداً أم نباتاً أم حيواناً . وإنّما هي الهداية التكوينيّة الخاصّة التي خصّ الله بها بعض عباده حسب ما تقتضيه حكمته ، فيهيّئ له ما به يهتدى إلى كماله الخاصّ به ، ويصل إلى مقصوده الذي خلق لأجله ، وقد أشير إلى هذا النوع من الهداية في غير واحد من الآيات المباركة ، منها : ( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) ( التغابن : 11 ) ، ( وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ) ( النور : 54 ) ، ( نُوراً نَهْدِى بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ) ( الشورى : 52 ) ، ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) ( الكهف : 13 ) ، ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ) ( المائدة : 15 ) ، ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ) ( محمد : 17 ) ، ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) ( العنكبوت : 69 ) . إلى غير ذلك من الآيات التي يستفاد منها اختصاص هداية الله تعالى وعنايته الخاصّة بطائفة خاصّة من المؤمنين ، فإنّ المؤمن بعدما اعترف بأنّ الله قد منّ عليه بهداية عامّة تكوينيّة وتشريعيّة ، طلب من الله تعالى أن يهديه بهدايته الخاصّة التكوينيّة التي يختصّ بها الله من يشاء من عباده ( وَاللَّهُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ( البقرة : 213 ) .

4 . الصراط المستقيم مهيمن على جميع السبل الهادية إليه تعالى

بمعنى أنّ السبيل إلى الله إنّما يكون سبيلًا له موصلًا إليه بمقدار ما يتضمّنه من الصراط المستقيم حقيقة ، بخلاف نفس الصراط المستقيم فإنّه يكون هادياً موصلًا إليه مطلقاً من غير قيد أو شرط ؛ ولذلك سّماه الله تعالى