كلّ مالكيّة في المجتمعات الإنسانيّة مالكيّة ضعيفة إنّما تصحّح
بعض التصرّفات المتصوّرة في العين المملوكة لا كلّ تصرّف ممكن .
هذا بخلاف ملكه تعالى للأشياء فإنّها ليس لها من دون الله تعالى من ربّ يملكها ، وهى لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ، فكلّ تصرّف متصوّر فيها فهو له تعالى ، فأىّ تصرُّف تصرَّف به في عباده وخلقه فله ذلك من غير أن يستتبع قبحاً ولا ذمّاً ولا لوماً في ذلك ، إذ التصرّف من بين التصرّفات إنّما يستقبح ويذمّ عليه في ما لا يملك المتصرّف ذلك ؛ لأنّ العقلاء لا يرون له ذلك ، فملك هذا المتصرّف محدود مصروف إلى التصرّفات الجائزة عند العقل ، وأمّا هو تعالى فكلّ تصرّفٍ تصرّف به فهو تصرّف من مالك وتصرّف في مملوك ، فلا قبح ولا ذمّ ولا غير ذلك .
فلو أثاب الله المجرم أو عاقب المثيب أو فعل أىّ فعل أراد ، لم يكن عليه ضيرٌ ولا منعه مانعٌ من عقل أو خارج ، إلّا أنّه تعالى وعدنا وأوعدنا بالسعادة والشقاء وحسن الجزاء وسوء الجزاء ، وأخبرنا أنّه لا يخلف الميعاد وأخبرنا من طريق الوحي أو العقل بأمور ، ثمّ ذكر أنّه لا يقول إلّا الحقّ ، فسكنت نفوسنا به واطمأنّت قلوبنا إليه بما لا طريق للريب إليه ؛ قال تعالى : (
ان الله لا يخلف الميعاد
) ( آل عمران : 9 ) ، وقال تعالى : (
والحق أقول
) ( ص : 84 ) .
ويؤيّد هذه الحقيقة أنّه تعالى منع الغير عن أىّ تصرّف في ملكه إلّا ما يشاؤه أو يأذن فيه ، وهو السائل المحاسب دون المسؤول المأخوذ ؛ قال تعالى : (
ما من شفيع الا من بعد اذنه
) ( يونس : 3 ) ، وقال : ( لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً )
( الرعد :
31 )
وقال : ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ
اللَّهُ ) ( التكوير : 29 ) وقال : ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) ( الأنبياء : 23 ) .
فالله هو المتصرّف الفاعل في ملكه وليس لشئ غيره من ذلك إلّا بإذنه ومشيّته ، فهذا ما تقتضيه مالكيّته المطلقة .