ويترتّب على ذلك أنّ الأسماء وسائط بين الذات وبين
مصنوعاته ، فالعلم والقدرة والرزق والنعمة التي عندنا بالترتيب تفيض عنه سبحانه بما أنّه عالم قادر رازق مُنعم بالترتيب ، فجهلنا يرتفع بعلمه ، وعجزنا بقدرته ، وذلّتنا بعزّته ، وفقرنا بغناه ، وذنوبنا بعفوه ومغفرته .
وهذا هو الذي نجرى عليه بحسب الذوق المستفاد من الفطرة الصافية ، فمن يسأل الغنى من الله ، لا يقول : يا مُميت يا مذلّ أغننى ، وإنّما يدعوه بأسمائه : الغنى ، والعزيز والقادر مثلًا ، والمريض الذي يتوجّه إليه لشفاء مرضه يقول : يا شافى ويا معافى يا رؤوف اشفنى ، ولا يقول : يا مُميت يا مُنتقم يا ذا البطش اشفنى ، وعلى هذا القياس .
إذن فالأشياء تنتسب إليه تعالى بواسطة أسمائه ، وبأسمائه بواسطة آثارها المنتشرة في أقطار عالمنا المشهود ، فآثار الجمال والجلال في هذا العالم هي التي تربطنا بأسماء جماله وجلاله من حياة وعلم وقدرة وعزّة وعظمة وكبرياء ، ثمّ الأسماء تنسبنا إلى الذات المتعالية التي تعتمد عليها قاطبة أجزاء العالم .
في ضوء هذه الحقيقة عندما يحمد أحد ويقول « الحمد لله » فلابدّ من الالتفات إلى أنّ المحمود أهو مقام ومرتبة الاسم الأعظم ، أم أحد الأسماء الكلّية أو الجزئيّة التي هي دون الاسم الأعظم ؟
يتّضح أنّ الحامدين ليسوا جميعاً على مرتبة واحدة ، بل لهم مراتب بعدد الأسماء الإلهيّة ؛ فمن الحامدين من يحمد الله تعالى وحمده إنّما هو للاسم الأعظم الجامع لكلّ الأسماء والصفات ، ولا يصدر هذا الحمد إلّا ممّن هو مظهر الاسم الأعظم الإلهى ، وهو الإنسان الكامل الذي هو الحقيقة المحمّديّة صلّى الله عليه وآله . لذا قال القيصري : « والحمد المناسب
لهذه الحضرة وهى حضرة الاسم « الله » التي هي محيطة بجميع
الأسماء والصفات هو الذي يصدر من الإنسان الكامل المكمّل ، الذي له مقام الخلافة العظمى ، لأنّه حينئذ
اللباب في تفسير الكتاب — صفحة 248
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٤٨