القصوى من الحمد .
إلّا أنّ أهل المعرفة قالوا : إنّ حمده تعالى نفسه بنفسه هو أعلى مراتب الحمد ، وهو أيضاً على أنحاء :
الأوّل : وهو الحمد القولي ، فهو عبارة عمّا بيّنه تعالى ونطق به في كتبه وصحفه على لسان أنبيائه عليهم السلام ، وأثنى على ذاته بما هو أهله ، كما قال النبىّ صلّى الله عليه وآله : «
لا أحصى ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت
على نفسك
» « 1 » .
الثاني : وهو الحمد الفعلي : فهو عبارة عن إظهار كمالاته الجماليّة والجلاليّة من غيبه إلى شهادته ، ومن باطنه إلى ظاهره ، ومن علمه في الصقع الربوبي إلى عالم الأعيان الخارجيّة التي هي مظاهر أسمائه ومحالّ ولاية صفاته .
ومن الواضح أنّ هذا النحو من الحمد أقوى من السابق ، لأنّ دلالة اللفظ من حيث هو لفظ ، دلالة وضعيّة قد يتخلّف عنها مدلولها ، ودلالة الفعل كدلالة آثار الشجاعة على الشجاعة وآثار السخاوة على السخاوة عقليّة قطعيّة لا يتصوّر فيها تخلّف . فحمد الله ذاته وهو أجلّ مراتب الحمد هو إيجاده كلّ موجود من الموجودات . فالله جلّ ثناؤه حيث بسط بساط الوجود على ممكنات لا تعدّ ولا تُحصى ، ووضع عليه موائد كرمه التي لا تتناهى ، فقد كشف عن صفات كماله ونعوت جلاله ، وأظهرها بدلالات عقليّة تفصيليّة غير متناهية ، فإنّ كلّ ذرّة من ذرّات الوجود تدلّ عليها ، ولا يتصوّر في العبارة مثل هذه الدلالات ، كما وقع التنبيه عليه في الحديث المنقول آنفاً .
ممّا تقدّم يمكن أن يُقال إنّ تقييد الثناء باللسان في تعريف المشهور ، إنّما هو قيد غالبىّ مَنشؤه أنّ اللفظ وإن كان موضوعاً في أصل اللغة لعامّ ، لكنّه قد يشتهر في بعض موارده ومصاديقه بحيث يصير حقيقة عرفيّة فيه ، وسبب
هامش
( 1 ) بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار : ج 68 ص 23 باب الشكر ( 61 ) الحديث 1 .