توطئة
إنّ الخروجَ من بين فكّي ثنائية الجبر والتفويض ، واندراجَ الأفعال الإنسانية في نطاق نظرية الأمر بين الأمرين لم يُعفِ المسيرة الإنسانية عامّة والعقل الإنساني خاصّة من التورّط بعثرات نظرية نشأت عن التباس الأمر في التوفيق بين عدد من الظواهر والمعتقدات .
فإذا كانت نظرية الأمر بين الأمرين قد أشادت بنيانها على قواعد ركينة من القرآن الكريم وأدلّة بيّنة من السنّة القطعية ، كما نهضت بها البراهين العقلية ، فإنّ ذلك لم يمنع ثقافة الفكر الديني من أن تواجه معضلة على صعيد التوفيق بين المدلول العملي للنظرية الذي يعني هيمنة الإنسان على مصيره بإذن من خالقه سبحانه وامتلاكه الحرية في تقرير هذا المصير بنفسه كما يشاء ، وبين الإيمان بالقضاء والقدر الذي نطق به القرآن صراحة وتحدّثت به السنّة القطعية ، خاصّة إذا أخذنا بنظر الاعتبار النظر البدوي الذي يوحي أنّ مقتضى الإيمان بعقيدة القضاء والقدر هو إبطال الاختيار ، فتعطيل فعّالية العمل الإنساني .