على أنّها أبعد توغّلًا في الحياة الإنسانية والاجتماعية من الصيغ العلمية وإشكالاتها النظرية ، راكزة في عمق اللا شعور الإنساني منذ العصور السحيقة حتّى الآن ، بحيث يخطئ من يظنّ أنّها زالت تماماً سواء في الشرق أو في الغرب ، ولن تزول لأنّها تعبير عن الارتباط بالمطلق ، إنّما تحتاج إلى تكييف صحيح يعيدها إلى موقعها الصائب في ربط الإنسان بمظاهر قدرة الله ومجاري إرادته الكائنة في الكون والحياة ، بدلًا من أن ييمّم وجهه صوب القوى السحريّة والخرافة أو نحو الحظّ والمجاهيل وبقيّة الألاعيب التي يزدحم بها الواقع الإنساني المعاصر في المجتمعات الغربية والشرقية على سواء .
وهي بهذا الوصف لا تختصّ بالإسلام دون بقيّة الأديان السماوية كما أشاع ذلك بعض الشخصيات الثقافية والسياسية الغربية ، وردّ عليهم الشيخ محمّد عبده قبل أكثر من مئة سنة من الآن بنصّ دالّ جاء فيه : « هل نسي مسيو هانوتو « 1 » أنّ البحث
هامش
( 1 ) وزير خارجية فرنسا حينذاك ، الذي نعى على الاسلام إيمانه بالقضاء والقدر ، متحدّثاً عن مسافة تفصل بين المسيحية والاسلام على هذا الأساس . فما كان من الشيخ عبده إلّا أن ردّ عليه في « العروة الوثقى » التي كانت تصدر من باريس منبّهاً إلى خطئه في فهم مقولة القضاء والقدر وإلى أنّ المسيحيّة تؤمن بالمقولةأيضاً ، مستدلًّا في ذلك على التلاطم الفكري الناشب في صفوف المسيحيّين حيال المقولة .