وبهذا يتّضح الفرق بين التوسّل الممدوح ( والوسيلة هي التوصّل والتقرّب وربما استعملت بمعنى ما به التوصّل والتقرّب ) بل المأمور به كما في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ( المائدة : 35 ) وبين التوسّل والتقرّب المذموم المنهى عنه كما في قوله : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ( الزمر : 3 ) حيث إن الأول - لأجل أن المدعوّ عبد من عباد الله المكرمين وأنه ذو مقام معنوىّ استحقّ به منزلة النبوة أو الإمامة ولأنه وُعد المتوسّلون به بقبول أدعيتهم وإنجاح طلباتهم فيما إذا قصدوا الله عن طريقه ، كما ورد في حقّ النبىّ الأعظم صلى الله عليه وآله : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ( النساء : 64 ) - بخلاف الثاني فإنهم كانوا يتوسّلون إلى الله ويتقرّبون بالملائكة الكرام والجن والأولياء من الإنس فيتركون عبادته تعالى ولا يرجونه ولا يخافونه ، وإنما يعبدون الوسيلة ويرجون رحمته ويخافون سخطه ، ثم يتوسّلون إلى هؤلاء الأرباب والآلهة بالأصنام والتماثيل فيتركونهم ويعبدون الأصنام ويتقرّبون إليهم بالقرابين والذبائح . وبالجملة فهم لا يعبدون إلا الوسيلة مستقلّة بذلك ويرجونها ويخافونها مستقلّة بذلك من دون الله فيشركون بإعطاء الاستقلال لها في الربوبيّة والعبادة .
وثانياً : « يمكن أن يقال إن المراد من الدعاء في هذه الآيات هو القسم الخاصّ منه ، أعنى ما كان ملازماً للعبادة ، لا بمعنى أن الدعاء مستعمل في مفهوم العبادة ابتداءً ، بل بمعنى
أنها مستعملة في معناها
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 384
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٨٤