فكذلك ليس من اليسير معرفة هذا الطراز من الناس ، فثمّ من نظر إلى رسول الله ( ص ) بعينيه ، بيد أنّه لم ينظر إلى شخصيّته بقلبه وعين بصيرته . . . . وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( الأعراف : 198 ) .
من هذه الجهة صار من الصعب تدوين السيرة الفلسفية والعلمية للأُستاذ العلّامة الطباطبائي ( قدس سره ) لأنّ الأفكار الفلسفية لهذا الحكيم المتألّه تشهد في أعماقها خشوع عباد الله الخلّص ، وتتجلّى في جميع أركانه العبادية بصائر علمية عميقة ، ويصدق عليه التعبير الرفيع للمحقّق الطوسي ( قدس سره ) في « شرح الإشارات » : كان وافر الحظ من نقاء السريرة واستقامة السيرة معاً ، وهذان شرطان لتحصيل الحكمة « 1 » .
فمن جهود هذا الفيلسوف الإلهي التي لا يشوبها شيء ، في نشر معارف الكتاب وسنّة المعصومين ( ع ) نعرف أنّه من زمرة أولياء الله ، الذين
« بهم عُلم الكتاب وبه عُلموا »
كما في نهج البلاغة .
كما يمكن القول : إنّ هذا الحكيم الإلهي الكبير هو من جملة المؤمنين الخلّص ، الذين امتحن الله تعالى قلوبهم للإيمان الكامل ، حتّى اجتمعت جنود العقل في روحه المنيفة السامية ، وأُجليت جنود الجهل عن حريم أمن هذا الوليّ .
قال الإمام الصادق ( ع ) بعد أن استعرض جنود العقل والجهل في حديث سماعة بن مهران :
« فلا تجتمع هذه الخصال كلّها من أجناد
العقل إلّا في نبيّ أو وصيّ نبيّ ، أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان » « 2 »
) .
هامش
( 1 ) الإشارات والتنبيهات : ج 3 ص 420 .
( 2 ) الأُصول من الكافي : ج 1 ص 23 ، كتاب العقل والجهل ، الحديث : 14 . .