ضدّين لا ثالث لهما .
وحيث هما ليسا نقيضين ولا ضدّين وجوديّين ، فعندئذ من الخطأ حصر الموقف من الفعل الإنسانى بينهما حتّى لا يمكن تصوّر موقف آخر غيرهما . على أساس هذه الحصيلة ينفتح الطريق لخيار ثالث من الفعل هو الذي تمثّله نظرية الأمر بين الأمرين .
ما يلفت النظر على هذا الصعيد أنّ الروايات الكريمة تعبّر عن الخيار الثالث بأنّه أوسع ممّا بين السماء والأرض ، لكسر الوهم الذي يعيشه السامع وذهنه يتردّد بين الجبر والتفويض وكأنّهما وحدهما اللذان يملآن الساحة ولا شئ آخر غيرهما . عندما تتحدّث النصوص الروائية عن منزلة ثالثة هي أوسع
ممّا بين السماء والأرض ، فإنّما تهدف أن تطيح بعنف بذلك الاستقطاب الوهمي بين الجبر والتفويض وتفتح عقل الإنسان المسلم على آفاق رحيبة لخيار ثالث خارج دائرة ذلك الاستقطاب الثنائي .
لقد مرّ ما يؤكّد هذا المعنى في الروايات السابقة ، ويمكن إضاءته أكثر بالمزيد . من ذلك ما في صحيحة هشام وغيره ، عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال : «
إنّا لا نقول جبراً ولا تفويضاً
» « 1 » ، فليست القضية إذن حصرية بين الجبر والتفويض ، وإلّا لما نفى الإمام كلا القولين ، ففي النفي علامة على مسار آخر .
وقد جاء في نصوص أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام قوله : «
لا جبر ولا تفويض
» « 2 » ، وفى بعضها الآخر : «
لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين
» « 3 » .
هامش
( 1 ) أمالي الصدوق ، ص 168 ؛ بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 4 ، ح 1 .
( 2 ) بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 17 ، ح 28 .
( 3 ) المصدر السابق ، ص 11 ، ح 18 وص 17 ، ح 27 ؛ الأصول من الكافي ، ج 1 ، ص 160 ، ح 13 .