يبدو أنّ الاستقطاب الثنائي بين الجبر والتفويض كان يلقى بظلاله على بعض أوساط الشيعة والقواعد الشعبية الموالية لأئمّة أهل البيت عليهم السلام . ولا غرابة فهؤلاء كانوا يعيشون وسط المسلمين كما يعيش البقيّة ، فلا مناص من أن يتأثّروا بهذا القدر أو ذاك ، لاسيّما إذا عرفنا أنّ هذه الاتجاهات الفكرية غير الإمامية كان لها على الدوام رصيد من الحماية السياسية يزيد من قوّة تأثيرها اجتماعيّاً . دخل شخص على الإمام جعفر الصادق عليه السلام فبادره الإمام بالسؤال :
أخبرني عمّا اختلف فيه من خلّفت من موالينا ؟
قال : قلت : في الجبر والتفويض . قال : فاسألني . قلت : أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال :
الله أقهر لهم من ذلك
. قال : قلت : ففوّض إليهم ؟ قال :
الله أقدر عليهم من
ذلك
« 1 » .
فمن الواضح أنّ هذا النصّ يلتقى مع ما سلف في تأكيد الحصيلة الأولى التي تنفى الحصر في الموقف من الفعل الإنسانى بين الجبر والتفويض وتفتح الطريق لخيار جديد ، على اعتبار أنّ العلاقة بينهما ليست ضدّية ولا هما بالمتناقضين اللذين يلزم وجود أحدهما نفى الآخر ، بحيث لا خيار ثالث بينهما .
النتيجة الثانية التي تترتّب على النصوص الروائية : حرص نظرية الأمر بين الأمرين في المحافظة على العدل والسلطنة معاً . فلا هي بالتي تضحّى بالعدل من أجل إثبات السلطنة والملك والمشيئة ، ولا هي بالتي تفرّط بالسلطنة والمشيئة لأجل إثبات العدل . هذه النقطة التي توازن بين الأمرين هي أبرز ما يميِّز هذه النظرية عن الاتجاهين الجبري والاعتزالى .
بالإضافة إلى ما مرّ من النصوص الروائية هناك عدد آخر منها يؤكّد هذا المدلول ، منها الحديث الشريف :
« مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا الله عزّ وجلّ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق ، ج 5 ، ص 53 ، ح 81 .