اتجاه من الصحابة بعد وفاة النبىّ صلّى الله عليه وآله متأثّرة بالمناخ الذي أشاعته مؤسّسة الخلافة والخط الذي انتهجته على الصعيد العلمي ، هذا الخط الذي يقضى بتعطيل البحث في هذه الجوانب من المعرفة الدينية ، والحؤول دون السؤال عنها ، وأحياناً فرض العقوبة على السائل .
لا يخفى أنّ هذا المنحى التعطيلى لا يزال يحظى برصيد في واقع المسلمين الحاضر ، بما له من منظِّرين وأنصار ، وإن كان يمضى إلى انحسار .
يرجع هذا الموقف بالتحليل إلى رؤية تعطيليّة مناهضة للعقل ، تحرم عليه حقّه في المعرفة ، وتحظر على الإنسان ممارسة ما جُبل عليه من غريزة البحث والتفكير ، كما أنّها تتقاطع بالكامل مع الكتاب والسنّة فيما حثّا عليه من تدبّر وتفكير .
2 ثَمّ نزعة نشأت في حياة المسلمين الفكرية لم تكن أقلّ خطلًا من سابقتها ، فقد برزت اتجاهات في تأريخ الفكر الإسلامي حملت هذه الحقائق على ظاهر معناها ومصاديقها المادّية . فالعرش عند ذوى هذه النزعة مخلوق كهيئة السرير له قوائم ، وهو موضوع على السماء السابعة ، والله تعالى مستوٍ عليه كاستواء ملوك البشر على عروشهم ، والكرسىّ مثله !
هؤلاء هم المشبّهة والمجسِّمة من المسلمين الذين نزلوا بحقائق التوحيد من مستواها التنزيهي الرفيع ، إلى واقع مادّى ضيّق ، وقد فاتهم أنّ القرآن والسنّة والعقل تجتمع على مناهضة رؤيتهم وتُقاطِعها بالكامل ، وهى تنزّه ربّ
العالمين أن يماثل شيئاً من خلقه أو يشبهه في ذات أو صفة أو فعل .
3 هناك نظرية اعتمدت في تقديم تفسيرها للعرش والكرسي وما شابه على علم الهيئة بصيغته البطليموسية القائمة على نظرية الأفلاك التسعة . فالعرش عند أصحاب هذا الاتجاه مثلًا هو الفلك التاسع المحيط بالعالم الجسماني ، وفى جوفه مماسّاً به الكرسي وهو الفلك الثامن الذي فيه الثوابت ، وفى جوفه
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته) — صفحة 337
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٣٧