من أبرز مزايا النظرية الثالثة أنّها تجمع في مركّب واحد بين نسبة الفعل إلى الله ونسبته إلى الإنسان فتتحاشى الجبر وتحافظ على الاختيار الإنسانى ، وتصير من وراء ذلك إلى توازن متين بين أصل السلطنة والمشيئة والإرادة الإلهية من جهة وأصل العدل الإلهى من جهة أخرى ، دونما تفريط بأحد الطرفين لحساب الآخر .
هذا الجمع المتوازن بين النسبتين والأصلين استمدّته نظرية الأمر بين الأمرين من كتاب الله . فمن جهة يخبر القرآن صراحة وفى آيات كثيرة أنّ الإنسان فاعل مختار في ممارسته وأفعاله ، كما في قوله سبحانه : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ « 1 » ، وقوله : كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ « 2 » ، وقوله : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ « 3 » ، وقوله : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى « 4 » ، وقوله : وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ « 5 » ، وقوله : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى « 6 » ، وقوله : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً « 7 » ، وقوله : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا « 8 » .
على خطّ آخر يتحدّث عدد كبير آخر من آيات القرآن الكريم عن إحاطة
هامش
( 1 ) فصّلت : 46 .
( 2 ) الطور : 21 .
( 3 ) النور : 11 .
( 4 ) النجم : 41 39 .
( 5 ) الكهف : 29 .
( 6 ) الزمر : 7 .
( 7 ) الإنسان : 3 .
( 8 ) الشمس : 10 7 . لقد مرّ عدد كبير من هذه الآيات أثناء البحث عن اختيار الإنسان عند ردّ نظرية الأشاعرة التي ذهبت إلى أنّ الإنسان مجبر في فعله ومضطرّ .