هذا الأساس العقلي مثلما يؤدّى إلى نقض القاعدة التي تقوم عليها نظرية المعتزلة ، فهو يشيد في الوقت ذاته القاعدة التحتية لنظرية الأمر بين الأمرين ، ومن ثمّ فهو بنفسه الدليل العقلي على صحّة النظرية الثالثة .
ب : الدليل النقلي
يجئ على مستويين قرآنىّ وحديثىّ ، حيث يمكن الإشارة إليه كما يلي :
1 المستوى القرآني
هناك عدد غير قليل من الآيات القرآنية التي يمكن الاستدلال بها على نظرية الأمر بين الأمرين ، نشير إلى بعضها كما يلي « 1 » :
قوله سبحانه : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمَى « 2 » . الآية واضحة في أنّ للفعل نسبتين ، نسبة إلى الله ونسبة إلى رسولالله صلى الله عليه وآله . بيدَ أنّ هذه النسبة إلى الاثنين ليست على الشراكة أو أنّها على حدٍّ سواء ، وإنّما لكلٍّ من النسبتين حدودها وشروطها الخاصّة .
قوله سبحانه : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ « 3 » . نستفيد من هذه الآية وما شابهها ، أنّ للفعل نسبتين ؛ نسبة إلى الإنسان ونسبة إلى الله ، ولكن بما يناسب كلا الفاعلين دون توهّم الشراكة أو أنّهما على حدٍّ سواء . يشير الطباطبائي إلى هذه النقطة بقوله : « للأفعال جهتان : جهة ثبوت ووجود ، وجهة الانتساب إلى الفاعل ، وهذه الجهة الثانية هي التي تتّصف بها الأفعال بأنّها طاعة أو معصية ، أو حسنة أو
هامش
( 1 ) ينظر البحث القرآني مفصّلًا ، في : الإلهيّات ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 700 696 ، وقد استفدنا من البحث ؛ لعدم ضرورة تكرار الجهود في مثل هذه المواضع .
( 2 ) الأنفال : 17 .
( 3 ) التوبة : 14 .