وهذا الأُفق الجديد الذي نفتحه للتناصّ وإن كان يتهرّب من التلبّس به عامّة المتخصّصين لتحصين نتاجهم من الذيلية والغيرية إلّا أنّهم يُمارسونه بلا استثناء وعلى أرفع المستويات بقصد أو بغير قصد ، ونحن لا نجد مُبرّراً للتنصّل عن الالتزام بثقافة التناصّ ، ما دام التناصّ هو آلية الانفتاح والتزوّد والإثراء والتكامل ، ولعلّ تنصّل البعض يعود للخلط الواضح عنده بين التناصّ الإيجابي - وهو ما تقدّم - والتناصّ السلبي المساوق لغياب الأمانة العلمية .
ولا ينقضي العجب ممن يتنصّل عن الأخذ بالتناصّ وهو ينطلق من قراءات نوعية وثقافات مزجية وقبليات تراكمية ، مُدّعياً الأصالة فيما يكتب ويقول ، مع أن الأصالة في ذلك تعني انتفاء الجذور ، وذلك أمر غير معلوم ولا مفهوم ، وهو أشبه ما يكون بعنقاء مغرب « 1 » .
وربما يبتني التنصّل عن التناصّ ونقده على أساس شبهة قائمة على تصوّر وجود تنافٍ بين التناصّ والعملية الإبداعية ، فالإبداع في هذا التصوّر الضيق رهن بالجهد الفردي الخالص من كلّ شائبة ، ولكنها نظرة
هامش
( 1 ) عنقاء مغرب ( أو عنقاء المغرب ) مثلٌ يُضرب للشيء الذي استحال الوصول إليه ونيله ، فيُقال في ذلك : إنَّ الملك المعبود عنقاء مغرب ، إي : إنَّ الله تعالى مهما بلغ مقام السائر إليه وعظمة توفيقاته فإنّه سوف يبقى بلحاظ المعبود في أوّل الطريق ، لأنَّ المقصود عنقاء مغرب استحالت معرفته معرفة إحاطية ، وعزّ الوصول إليه ؛ والظاهر أنّ أرباب الفنّ يطلقون اصطلاح ( عنقاء مغرب ) على الذات المقدّسة في مقام الأحدية . .