لذلك ليس من الغريب أن تثبّت الفلسفة أكبر الإنجازات وأسماها لأولئك الفلاسفة والباحثين الذين ارتادوها وهم مزوّدون بسراج النقل ، فاختصروا المسافات ، ووفّروا على أنفسهم وعلى الناس كثيراً من المنزلقات الوعرة التي تحفّ طريق العقل وحده لو سار بصاحبه دون ضياء الوحي أو بعيداً عن نور النقل ، كما حصل كمثال مع صدر الدين الشيرازي ، الذي تحسّ أن يد النقل كامنة وراء كثير مما حقّقه من إنجازات على هذا الصعيد من دون أن يعنى ذلك مطلقاً تبنيّاً لجميع ما وصل إليه من نتائج ، وما سلكه من بحوث .
أمّا الإشكال الذي يرد فهو في طبيعة حاجتنا للعقل إذا كان النقل يكمن من ورائه ؟ وما معنى العقلانية إذا كانت تستضىء بنور النقل ؟ فإنّ الإجابة عليه وأمثاله ينهض بها البحث في نظرية المعرفة التي ترسم الحدود وتحدّد الثغور ، بحيث تكون لكلّ أداة منطقتها .
والملاحظة هذه مسوقة على أساس موقف محدّد في المعرفة ، يؤمّن بذلك التزاوج أو التركيب بين النقل والعقل « 1 » .
4 الاستدلال العقلي
يكتسب الاستدلال العقلي على مبدأ علم الله بالأشياء تفصيلًا قبل الإيجاد صيغاً متعدّدة في بنائه والمرتكزات التي يقوم عليها ، وكيفية تقريره وبيانه ، تصلح كلّ صيغة دليلًا مستقلًّا على المطلوب .
وإذ يتعذّر استعراض الأدلة العقلية بأجمعها ، نصير إلى انتخاب ثلاثة منها ، هي :
هامش
( 1 ) ينظر في ذلك : بحث في مناهج المعرفة : مدخل إلى المدارس الخمس في العصر الإسلامي ، السيد كمال الحيدري ، قم 1415 ه .