البرهان الأوّل : بسيط الحقيقة كلّ الأشياء
يعود تقرير هذا البرهان إلى صدر الدين الشيرازي ، ويقوم على القاعدة الفلسفية المعروفة بقاعدة بسيط الحقيقة كلّ الأشياء وليس بشئ منها ، التي برهن الشيرازي على إثباتها خلال بحوثه الفلسفية ، وأكّدها في مواضع متعدّدة من كتابه الأسفار .
بل بلغ من اعتزازه بالقاعدة ، أن قال فيها نصّاً « 1 » : « إن كلّ بسيط الحقيقة
يجب أن يكون جميع الأشياء بالفعل ، وهذا مطلب شريف لم أجد في وجه الأرض من له علم بذلك » « 2 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق ، ج 3 ، ص 40 .
( 2 ) بغياب الحركة النقدية العلمية الشاملة لمشروع صدر الدين الشيرازي الفلسفي تمتلئ الساحة على حدّ سواء باتجاهات تبالغ بما حقّقه أو تجحف به من خلال الحطّ من إنجازه .
بانتظار ولادة تلك الحركة التي تدرس فلسفة صدر المتألهين برؤية شاملة وتقيم الإنجاز الصدرائى بصيغة متوازنة ، نمرّ على شهادات خطيرة تلتقى في الدلالة بأجمعها على أنّ أبرز مرتكزات الحكمة المتعالية تثوى في كتابات الشيخ محيي الدين بن عربى ( 638 560 ه ) بالأخصّ كتابيه « فصوص الحكم » و « الفتوحات المكية » ، وإن كلّ ما يعود لصدر الدين الشيرازي هو تشييد الأبنية البرهانية لمقولات الشيخ الأكبر / / وأمّهات أفكاره ، بحيث لم يكن كتاب « الحكمة المتعالية » إلّاصيغة برهانية لمقولات ابن عربى وأفكاره .
الدالّ في هذه الشهادات ، أنّها بأجمعها تنتمى إلى رموز كبيرة من ممثّلى مدرسة « الحكمة المتعالية » الذين سبروا بواطنها ، وغاصوا أغوارها ، وأحاطوا بخفاياها بأستاذية لامعة يشهد لهم بها الجميع .
بعض هؤلاء اختار منهجاً تحليلياً تطبيقياً لكتاب « الحكمة المتعالية » مثل الباحث الشيخ حسن حسن زادة آملي ، الذي راح يفكّك نصوص صدر الدين الشيرازي ويرجع محتوياتها إلى أصولها في كتابات ابن عربى ، فانتهى بعد ما يناهز العشرين عاماً من البحث التنقيبى إلى ما يلي : « إنّ جميع المباحث الرفيعة والعرشية للأسفار منقولة من الفصوص والفتوحات وبقيّة الصحف القيّمة والكريمة للشيخ الأكبر وتلاميذه بلا واسطة أو مع الواسطة » . ثم يقول : « إذا ما اعتبرنا كتاب الأسفار الكبير مدخلًا أو شرحاً للفصوص والفتوحات فقد نطقنا بالصواب » .
كما يقول أيضاً في واحدة من الحصائل التي انتهت إليها دراسته : « إنّ صدر المتألّهين نفسه يذكر في مواضع عديدة اسم ذلك العظيم بإجلال ، كما يذكر صحفه العلمية ، وهو يفعل ذلك بخشوع وتواضع لا يضارع بذكر أحد من أكابر العلماء ومشايخ أهل التحقيق ، وأعاظم أهل الكشف والشهود ، ولا يثنى على أحد كما يثنى عليه ، لأنه يعرف أفضل من أىّ شخص آخر أنّ أساس حكمته المتعالية الفتوحات والفصوص ، وما أسفاره العظيمة إلّا شرح تحقيقىّ لهما » .
مع أنّه يشير إلى أنّ هذا المعنى لا يخفى على أىّ متضلّع بالحكمة المتعالية من جهة ، وبالكتب العرفانية الأصيلة على رأسها الفصوص والفتوحات من جهة أخرى ، إلّا أنه يورد عدداً من الشواهد التي أخذها صدر المتألهين عن الشيخ الأكبر وعرضها بأسفاره بعد أن كساها ثوب البرهان .
من الشواهد التي يذكرها قاعدة « بسيط الحقيقة كل الأشياء وليس بشئ منها » التي أشاد صدر الدين الشيرازي على أساسها برهانه في إثبات مبدأ العلم الإلهى التفصيلي بالأشياء قبل الإيجاد ، وهو : العلم الإجمالي في عين الكشف التفصيلي . /
/ ينظر : دوّمين يادنامه علامة طباطبائى ( الكتاب التذكارى الثاني للعلّامة الطباطبائي ) طهران 1984 ، بحث الشيخ حسن حسن زادة آملي المعنون : « العرفان والحكمة المتعالية » ، ص 36 ، 16 ، بالفارسية .
أما الشيخ جوادى آملي الذي يعدّ أبرز ممثلى مدرسة الحكمة المتعالية في حوزة قم المعاصرة إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق ، فهو يعتقد أنّ النصاب التامّ لما ذكره الفخر الرازي في ابن سينا من أنه : « ما سبقه إليه من قبله ولا لحقه من بعده » هو الشيخ ابن عربى الذي يقوله فيه : « لا يرقى إليه أحد من بين معاريف أهل العرفان ، ولا له نظير منذ عصره حتى الآن . . . لأنّ جميع ما قاله الآخرون وكتبوه بالعربية والفارسية ، نثراً كان أو نظماً في الماضي والحاضر يعدّ بضعة نسبة إلى بحر محيي الدين الموّاج » .
ثم يتحدّث عن المسافة العلمية بين الشيخ الأكبر من جهة وبين شيخ الإشراق وصدر المتألهين من جهة أخرى ، فيقول نصّاً : « إنّ المسافة العلمية التي تفصل ابن عربى عن شيخ الإشراق رحمه الله شاسعة ، وعن صدر المتألهين قدّس سره ليست قليلة ، الذي يشهد على ذلك ما يبديه صدر المتألهين لمحيى الدين من احترام غير متناه ، ممّا لا يدانيه فيما يفعله مع أي حكيم أو عارف آخر ، ذلك لأن الكثير من مباني الحكمة المتعالية مدينة إلى العرفان الذي أرسى قواعده المعروفة ابن عربى نفسه » .
ينظر : رسالة القرآن ، آية الله عبد الله جوادى آملي ، مؤسسة رجاء الثقافية ، طهران 1991 ، ص 107 ، بالفارسية .
هذا عن موقع ابن عربى علمياً وعرفانياً من شخصية صدر الدين الشيرازي واتجاهه الفلسفي في الحكمة المتعالية . أما بخصوص موقفه من العلم الذاتي الذي أسس له على قاعدة بسيط الحقيقة كلّ الأشياء ، وذكر أنّه لم يعرف على وجه الأرض من له علم بها ، فإنّ الشيخ جوادى آملي يعتقد أنّ القاعدة موجودة في نصوص ابن عربى وتلاميذه على نحو واضح .
فعندما يورد هذا النص : « لأنّ تلك الحقائق ( حقائق عالم الإمكان ) أيضاً عين ذاته حقيقة ، وإن كانت ( الذات ) غيرها تعيناً ( أي حدودها الماهوية غير موجودة ) » ، يعقّب عليه بقوله : « هذه الجملة هي من العبارات الواضحة التي يستفاد منها قاعدة / / بسيط الحقيقة كل الأشياء ، والآخوند ( الملّا صدرا ) إنّما اعتمد على هذه القاعدة لإثبات العلم الذاتي للحق سبحانه بالأشياء قبل الإيجاد » .
ينظر : شرح القيصري على فصوص الحكم ، للشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي ، طبعة قم 1984 ، ص 7 ، وشرح الشيخ آملي لمقدّمة القيصري ، الدرس التاسع ، بالفارسية ، وقد أخذنا النص من التسجيل الصوتي .
الغريب أنّ الشيرازي نفسه ينقل كلاماً للشيخ الأكبر تأييداً لرأيه يرد فيه بالنصّ تعبير : العلم التفصيلي في عين الإجمال ، ممّا يدلّ على وجود سابقة للقاعدة والنتيجة المترتّبة عليها في العلم الإلهى لا نعرف لماذا أغفلها صدر المتألهين بقوله : « وهذا مطلب شريف لم أجد في وجه الأرض من له علم بذلك » . ينظر : الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 289 286 .
ثمَّ شهادة أوقع أثراً تعود لأستاذ السيد الطباطبائي ، السيد على القاضي التبريزي ، يقول فيها نصّاً عن مقام ابن عربى : « إنّ أحداً من الرعية لم يبلغ إلى ما بلغه محيي الدين بن عربى في المعارف العرفانية والحقائق النفسانية ، بعد مقام العصمة والإمامة » .
ثم ينعطف موضّحاً تأثير ابن عربى المطلق على صدر الدين الشيرازي ، فيقول : « كل ما لدى ملا صدرا هو من محيي الدين ، وقد جلس على مائدته » . الكتاب التذكارى ، مصدر سابق ، ص 41 .
أما العلامة الطباطبائي فيعتقد أنّه : « لم يستطع أحد في الإسلام أن يأتي بسطر واحد ( ممّا كتبه ) محيي الدين » . ينظر : المنظومة ، الشرح التفصيلي الشهيد مرتضى مطهرى ، الطبعة الثانية ، 1404 ه ج 1 ، هامش صفحة 239 ، بالفارسية .
كما أنّ الشيخ مرتضى مطهرى نفسه ، يسجّل : « إنّ الملّا صدرا لا يتواضع لأحد كما يتواضع لمحيى الدين ، وهو يعدّ ابن سينا لا شئ مقابل محيي الدين » . المصدر السابق ، هامش ص 239 238 .
تفيد هذه الشهادات إجمالًا أنّ الجذور المعرفية لصدر الدين الشيرازي تعود إلى الشيخ ابن عربى ، ولو قُدِّر لهذه النقطة أن تثرى بالمزيد من الدراسات التحليلية والتطبيقية لعاد ذلك بالنفع الجليل على حركة الفكر الفلسفي والعرفاني بما يحفظ لكل رمز / / إنجازه ودائرة إبداعه دون بخس أو تضخيم .
أجل ، يبدو أنّ أحداً من الدارسين لا يختلف في أنّ صدر الدين سعى إلى تأسيس العرفان على البرهان ، ومن ثمّ سعى على أن ترتدى مقولات ابن عربى وأفكاره ثوباً برهانياً ، لكن هل يعنى ذلك أن آثار الشيخ الأكبر تخلو من الاستدلال البرهاني تماماً !