وفي القرن الثالث للهجرة نجحت الحركات الاسلامية في ايجاد نوع من التوازن السياسي داخل الأمة الاسلامية ، وكان نتيجة ذلك ان انصب الاهتمام أكثر فأكثر على اللغة وآدابها والعمران بمجالاته المختلفة ، فتحولت الحضارة الاسلامية من حضارة القيم والمقدسات والعلوم إلى حضارة التعمير المادي ، والترف الأدبي فقط .
ونحن نتصور ان هذه الدرجات والمراحل موجودة ليست فقط في التاريخ الاسلامي وانما في كل الأمم ، والحضارات الماضية .
كانت تلك نظرة عامة للتاريخ الاسلامي ، وإذا طبقنا هذه النظرة على العهد العباسي فإننا سنلاحظ انه قد تميز باصلاحات سياسية واسعة بالرغم من أنه كان عهد تحضر عمراني فقط ، ولم يكن يتمتع بهذه الاصلاحات في بداية عهده ، وكانت هذه الاصلاحات نتيجة مباشرة لاختمار الحركة التصحيحية داخل الأمة الاسلامية ، فقد استوعبت ذهنية الأمة مفهوم الحركة التحررية بشكل جيد .
فالفكر والمفاهيم السياسية التي فرضها الحكام على الجماهير المسلمة ، قد ذاب عمليا في القرن الأول ، بالطبع ان كثيراً من الناس كانوا قد انخدعوا بالتأويل الخاطئ للآية الكريمة أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ( النساء / 59 ) ولكن غالبية الأمة عرفت بعد ذلك ان ليس كل من جلس على سدة الحكم فهو مخوّل ان يحكم بما يشاء ، بل إن على المسلمين ان يقوموا في وجه الحاكم الظالم ، فقد كان سكوتهم من الحاكمين الطغاة سبباً في نزول الكوارث بهم ، وبذلك انضوى الناس تحت الألوية المختلفة التي كانت تحارب الوضع القائم .
وهكذا نجد ان الحركات التحررية قد اجتمعت على اسقاط الدولة الأموية التي كانت صعبة السقوط ، والوضع الأموي كما حللناه فيما سبق ، كان يعتمد على الجيش المرتزق ، وعلى القبائل الجاهلية ، وعلى كل فكرة جاهلية مادية ، من نظام العائلة الحاكمة إلى الطابع العنصري العربي ( العدناني والشامي ضد القحطاني )
التاريخ الإسلامي (دروس وعبر) — صفحة 160
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦٠