نعم ؛ إن أصل الانتخاب كان أمراً مفروضاً على الإنسان ، ولكنّه حينما انتخب بإرادته وحريته المطلقة أصبح مسؤولًا عن هذا الانتخاب ، شأنه في ذلك شأن كثير من الأمور والقضايا المحيطة بالإنسان منذ ولادته ، كالحياة والموت ، والشبع والجوع ، والصحة والمرض . فالحياة كأصل أمر لا خيار للإنسان فيه ، ولكنه في الوقت ذاته ؛ وفور تسلّل بوادر الحياة إلى بدنه يكون حرّاً في اختيار نوع الحياة التي يرتضيها ويقرّها ، فإن اختار حياة الصلاح يكون مسؤولًا كلّ المسؤولية عن بنود الصلاح في أقواله وأعماله . وكذا الحال بالنسبة إلى الشبع والجوع ، حيث أن الله سبحانه وتعالى لم يجبر الإنسان على تناول نوع معيّن من الغذاء ، بل إنّه بيّن له صفات المؤمنين وصفات الفاسقين ، وأكد أيضاً ضرورة الابتعاد عن الفسق والشيطان ، ثم قال بعد ذلك أن نوعاً معيناً من الغذاء يكون من تناوله في عداد الفساق والشياطين ، فقال : ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَاْلأَنْصابُ وَاْلأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) ( المائدة / 90 ) ، وقال الله سبحانه في موضع آخر : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ) ( الأعراف / 31 ) ، وقال سبحانه : ( فَامْشُوا في مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) ( الملك / 15 ) ؛ أي أن الأكل الصحيح والغذاء الحلال هو ما ينطوي ضمن قائمة رزق الله ، ومن الطبيعي جداً أن لا تكون السرقة رزقاً من الله ، بل هي نوع من الفوضى التي يفرضها الشيطان على أتباعه .
ومن هنا يتضح أن التعاليم الإلهية عبارة عن نصائح لا جبر فيها ، وما على الإنسان إلّا تعيين ما يلتزم به أو يفضّله ،
الإنسان وآفاق المسؤولية — صفحة 96
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٦