ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ) . وهذا اقتراح تعجيزي ، لأنهم لا خيرة لهم في الرجوع إلى الدنيا والتزود بالأعمال الصالحة . في هذه اللحظة يرتفع سور يحجر المؤمنين عن المنافقين ، فينادي أهلُ الحسرة أهلَ النعيم : ( أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ) فبمَ تقدمتم علينا ؟ ولماذا حصلتم على النور ولم نحصل عليه ؟
فيأتي الجواب القارع : ( بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ اْلأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ ) .
إذن ؛ فمشكلة المنافقين بالدرجة الأُولى أنهم فتنوا أنفسهم وخدعوها من أجل الحصول على شهوة من الشهوات وبعضاً من الراحة في الدنيا ، فكانوا يزينون لأنفسهم تأخير أداء الواجبات من عبادة وحقوق وجهاد وأمر بمعروف ونهيٍ عن منكر . .
ثم كانت المشكلة الثانية أنهم تربصوا ولم يبادروا إلى عمل الخير ، ولم يكونوا ليعرفوا معنىً للتوكل على الله سبحانه وتعالى ، كما غفلوا عن قوله الكريم : ( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) ( آل عمران / 133 ) ، أو قوله سبحانه : ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) ( البقرة / 148 ) . .
فهل تعلم كم من إنسان تمنّى أن يفعل الخيرات غداً أو بعد غدٍ ، ولكنه لم يتدارك نفسه إلّا والموت يقتحم عليه داره ، فيفصل بينه وبين أمانيه .
قال أمير المؤمنين عليه السّلام : «
فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله ، ولم يضره أجله ، ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله ، فقد خسر عمله وضرّه أجله
» « 1 » .
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة ، خطبة رقم 28 .