بالمسلمين إلى درجة ان جرحى معركة " مؤتة " كانوا يرفضون الواحد بعد الاخر شرب الماء الذي أمر رسول الله بسقيهم به ، طالبين تقديمه لاخوتهم المجروحين ، ولسان حال أحدهم يقول : ان صاحبي أشد عطشاً مني فاسقه قبلي . رغم انهم كانوا يحتضرون جميعا ، وان من المستحب ان يسقى المحتضر قبل وفاته . وهكذا فقد آثر كل منهم صاحبه على نفسه ، ولو كانت به خصاصة ، حتى ماتوا عطاشى عن بكرة أبيهم !
لقد تحول أولئك العرب الذين كان أحدهم يقتل صاحبه بسبب لقمة خبز ، إلى هذه القمة العالية من المحبة والعطاء والرقة . فعندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلقي خطابا فيهم كانت دموعهم تسيل على خدودهم ، إذ قد تحول قساة القلوب إلى ذوي قلوب لينة كنبتة الربيع .
وحينما وقف الإمام الحسين عليه السلام على مصرع حبيب بن مظاهر قال : " لله درّك يا حبيب ، لقد كنت فاضلًا تختم القرآن في ليلة واحدة " . « 1 » هكذا تحول أولئك الناس ، وإذا بالأرض الإسلامية تخضر ، وإذا بأولئك الأذلاء يتحولون إلى أعزة ، وإذا برسل العرب وكتبهم تتواتر وتتوافد على أقطار الأرض ، وإذا بهرقل الروم وكسرى فارس وقيصر الروم والغساسنة يكتبون الرسائل للنبي أو لمن جاء بعده متوسلين قبول عذرهم ، وإذا بالجيوش الإسلامية تقتحم المدن بعد المدن وتصل إلى ما تصل اليه .
وخلال ربع قرن ساد الاسلام مناطق واسعة من العالم ، ذلك لان القيم الجاهلية الشيطانية الخبيثة تحولت إلى قيم ربانية عالية . ولكن الجاهليين
هامش
( 1 ) مجمع مصائب أهل البيت ، ص 131 .