غمار الموت بكل رحابة صدر . فكلما ازدحمت عليه المصائب ، وتراكمت عليه الآلام وتزاحمت الجراحات على جسده الشريف ، كلما كان وجهه الكريم يتلألأ اشراقاً وبهجة ، لانّه - وهو العبد المطيع - كان يقترب من ربه ، رب العزة والقدرة .
وهكذا فان تلك الإرادة هي سرّ خلق الإنسان ، فلولا إرادة الصديقين ، ولولا المشيئة التي امتحن الله عز وجل بها النبيين والصالحين من عباده ، لما كان لهذا الخلق من حكمة .
فالله تبارك وتعالى لم يخلق الإنسان لكي يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، كما ظنّت الملائكة . فقد كان تعالى يعلم ما لا يعلمون ، ويعلم بعلمه الازلّي ان بين أبناء آدم ، ومن بين هذا التراب واللحم والاعصاب سوف يسمو أناس ليرتقوا إلى أعلى عليين ، وليصلوا إلى تلك الدرجة التي قال عنها جبرائيل عليه السلام " ولو دنوت أنملة لاحترقت " . « 1 »
الإرادة حكمة الخلق
ولذلك فإنّ هذه الإرادة ، الإرادة الإنسانية التي تتحدّى الشهوات ، وثقل المادة ، والحنين إلى التراب ، وضغوط الارهاب والاعلام المضلّل ، هذه الإرادة هي فلسفة وحكمة خلق الإنسان على هذا الكوكب ، بل انني أستطيع ان اقرّر وبكل ثقة واطمئنان بأنّ هذه الإرادة هي حكمة خلق الكون بأسره .
ان الله جلّ وعلا الذي يقول للشيء كن فيكون ، ويخلق بين الكاف والنون مجرّات ومنظومات شمسيّة هائلة ، لا يقدّر ولا يقيّم الوجود بسبب
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 18 ، ص 382 .