ووصفه الشاكري الذي لازم خدمته فقال :
« كَانَ أُسْتَاذِي صَالِحاً مِنْ بَيْنِ الْعَلَوِيِّينَ لَمْ أَرَ قَطُّ مِثْلَهُ ، قال : وَكَانَ يَرْكَبُ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى فِي كُلِّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ ، قَالَ : وَكَانَ يَوْمَ النُّوبَةِ يَحْضُرُ مِنَ النَّاسِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وَيَغَصُّ الشَّارِعُ بِالدَّوَابِّ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالضَّجَّةِ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مَوْضِعٌ يَمْشِي وَلَا يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ ، قَالَ : فَإِذَا جَاءَ أُسْتَاذِي سَكَنَتِ الضَّجَّةُ وَهَدَأَ صَهِيلُ الْخَيْلِ وَنِهَاقُ الْحَمِيرِ
، قَالَ :
وَتَفَرَّقَتِ الْبَهَائِمُ حَتَّى يَصِيرَ الطَّرِيقُ وَاسِعاً لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُتَوَقَّى مِنَ الدَّوَابِّ نَحُفَّهُ لِيَزْحَمَهَا ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَجْلِسُ فِي مَرْتَبَتِهِ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ ، فَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ وَصَاحَ الْبَوَّابُونَ : هَاتُوا دَابَّةَ أَبِي مُحَمَّدٍ ؛ سَكَنَ صِيَاحُ النَّاسِ وَصَهِيلُ الْخَيْلِ وَتَفَرَّقَتِ الدَّوَابُّ حَتَّى يَرْكَبَ وَيَمْضِيَ .
وأضاف في صفة الإمام :
« كَانَ يَجْلِسُ فِي الْمِحْرَابِ وَيَسْجُدُ فَأَنَامُ وَأَنْتَبِهُ وَأَنَامُ وَهُوَ سَاجِدٌ ، وَكَانَ قَلِيلَ الْأَكْلِ ، كَانَ يَحْضُرُهُ التِّينُ وَالْعِنَبُ وَالْخَوْخُ وَمَا شَاكَلَهُ فَيَأْكُلُ مِنْهُ الْوَاحِدَةَ وَالثِّنْتَيْنِ وَيَقُولُ : شُلْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ إِلَى صِبْيَانِكَ ، فَأَقُولُ : هَذَا كُلُّهُ ؟ فَيَقُولُ : خُذْهُ مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَسْدَى مِنْهُ » « 1 » .
وعندما سجنه طاغية بني العباسي ، وقال بعض العباسيين للذي وُكِّلَ بسجنه ( صالح بن وصيف ) :
« ضَيِّقْ عَلَيْهِ وَلَا تُوَسِّعْ ، فَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ : مَا أَصْنَعُ بِهِ ، وَقَدْ وَكَّلْتُ بِهِ رَجُلَيْنِ شَرَّ مَنْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ فَقَدْ صَارَا مِنَ الْعِبَادَةِ وَالصَّلَاةِ إِلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ ؟ ! ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِحْضَارِ المُوَكَّلَيْنِ فَقَالَ لَهُمَا : وَيْحَكُمَا ! مَا شَأْنُكُمَا فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَقَالَا لَهُ : مَا نَقُولُ فِي رَجُلٍ يَصُومُ نَهَارَهُ وَيَقُومُ لَيْلَهُ كُلَّهُ ، لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَتَشَاغَلُ بِغَيْرِ الْعِبَادَةِ
،
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 50 ، ص 253 .