فظن الجلودي أنه يُعين عليه ، فأقسم على المأمون ألَّا يقبل قوله . فَقَالَ المَأْمُون : لا وَاللهِ لَا أَقْبَلُ فِيك ، وأَمَرَ بضرِب عُنُقُهُ « 1 »
. وكان سخياً كريماً .
وكان من آدابه في الصدقات أنه إذا جلس للأكل أُتِيَ بِصَحْفَةٍ فَتُوضَعُ قُرْبَ مَائِدَتِهِ فَيَعْمِدُ إِلَى أَطْيَبِ الطَّعَامِ مِمَّا يُؤْتَى بِهِ فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ شَيْئاً ، فَيُوضَعُ فِي تِلْكَ الصَّحْفَةِ ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهَا لِلْمَسَاكِينِ ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة :
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ « 2 » ، ثُمَّ يَقُولُ :
« عَلِمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَيْسَ كُلُّ إِنْسَانٍ يَقْدِرُ عَلَى عِتْقِ رَقَبَةٍ فَجَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى الجَنَّةِ بِإِطْعَامِ الطَّعَام ( عبر الإطعام ) » « 3 »
. وَفَرَّقَ عليه السلام بِخُرَاسَانَ مَالَهُ كُلَّهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ ، فَقَالَ لَهُ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ : إِنَّ هَذَا لَمَغْرَمٌ ، فَقَالَ عليه السلام :
« بَلْ هُوَ المَغْنَمُ ، لَا تَعُدَّنَّ مَغْرَماً مَا ابْتَعْتَ بِهِ أَجْراً وَكَرَماً » « 4 »
. وكان إذا أعطى أحداً سعى ألَّا يذهب بهاؤه ولا يُراق ماء وجهه . والقصة التالية تعلمنا كيف نجعل صدقاتنا خالصة لوجه الله لا منّة فيها ولا استعلاء .
يروي الْيَسَعِ بْنِ حَمْزَةَ وَيَقُوْلُ : « كُنْتُ أَنَا فِي مَجْلِسِ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام أُحَدِّثُهُ ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ طُوَالٌ آدِمٌ فَقَالَ لَهُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ ، رَجُلٌ مِنْ مُحِبِّيكَ وَمُحِبِّي آبَائِكَ وَأَجْدَادِكَ عليهم السلام ، مَصْدَرِي مِنَ الْحَجِّ وَقَدِ افْتَقَدْتُ
هامش
( 1 ) في رحاب أئمة أهل البيت ، ص 108 سيرة الرضا .
( 2 ) سورة البلد ، الآية : 11 .
( 3 ) بحار الأنوار ، ج 49 ، ص 97 .
( 4 ) بحار الأنوار ، ج 49 ، ص 100 .